يُسجّل التاريخ اللبناني والعربي بمداد من الفخر لحظة الخامس والعشرين من أيار عام 2000، حين استطاع حزب الله، مدعوماً ببيئة وطنية وحاضنة عربية واسعة، أن ينجز تحريراً تاريخياً للجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي.
كانت تلك اللحظة هي ذروة «اللبنانية» في مسيرة الحزب، حيث تجسّد فيها كقوة تحرير وطنية نجحت في انتزاع اعتراف الجميع بجدواها وشرعيتها.
وبدلاً من أن يشكل هذا الإنجاز منطلقاً لترسيخ الدولة وبناء عقد وطني يحفظ التضحيات، اختار الحزب مساراً مغايراً تماماً، بدأت معه رحلة الانفصال التدريجي عن الواقع اللبناني وهمومه، وصولاً إلى التورط في حروب عابرة للحدود أدت في نهاية المطاف إلى فقدان الهوية الوطنية التي اكتسبها في عام التحرير.
من التحرير إلى «الفائض»
بعد عام 2000، كان اللبنانيون ينتظرون من الحزب الانخراط الكامل في بنية الدولة وتوظيف انتصاره في مشروع بناء الوطن. إلا أن ما حدث كان العكس، فقد بدأ الحزب باستثمار “فائض القوة” لديه لفرض معادلات داخلية وإقليمية لم تكن يوماً جزءاً من الميثاق الوطني.
وبدلاً من الحفاظ على وقفة اللبنانيين معه، بدأ الحزب يستغرق في ملفات وصراعات أدخلت لبنان في نفق من الأزمات التي كان بغنى عنها.
إقرأ أيضا: «سياسة تهجير جماعي».. وزير الإعلام يكشف بالأرقام حجم المأساة واستهداف الأطفال والصحفيين
لقد كانت المحطة الأولى في هذا الانزلاق هي التدخل العسكري المباشر في الشؤون العربية، بدءاً من الأزمة السورية. هناك، لم يعد الحزب يدافع عن قرى حدودية لبنانية كما ادعى في البداية، بل تحول إلى رأس حربة في مشروع إقليمي، يقاتل في أزقة القصير وحلب وحمص، بعيداً كل البعد عن «نهر الليطاني» أو مزارع شبعا.
هذا التدخل لم يستنزف طاقات الحزب البشرية فحسب، بل استنزف رصيده الوطني لدى شريحة كبرى من اللبنانيين الذين رأوا في هذا الانخراط خروجاً صارخاً عن مبدأ النأي بالنفس وتحويل لبنان إلى منصة لتصدير المقاتلين.
أذرع الإقليم وتفتت الهوية
لم يتوقف الطموح الإقليمي عند الحدود السورية، بل امتدت أصابع الحزب إلى اليمن والعراق، ليلعب دور المدرب والموجه والمقاتل في صراعات لا ناقة للبنان فيها ولا جمل.
في تلك اللحظات، بدأت ملامح «اللبنانية» تتلاشى؛ فالمقاتل الذي كان يرفع العلم اللبناني في عام 2000، صار جندياً في منظومة عسكرية وأمنية تمتد من طهران إلى صنعاء. لقد صار الحزب يتحدث بلغة المحاور، ويقدم مصالح “الساحات الموحدة” على مصلحة المواطن اللبناني الذي بات يدفع أثماناً اقتصادية وسياسية باهظة نتيجة العقوبات والعزلة العربية والدولية التي فُرضت على بلاده بسبب هذه السياسات.
جبهة الإسناد والارتهان الكامل
جاءت أحداث غزة الأخيرة لتضع الحزب أمام اختبار الهوية النهائي. بقرار منفرد، ودون العودة إلى مؤسسات الدولة أو التوافق الوطني، أعلن الحزب فتح «جبهة إسناد» من الجنوب اللبناني. ورغم أن القضية الفلسطينية هي قضية عادلة، إلا أن ربط مصير لبنان وقراه ومستقبل أهله بمسارات عسكرية خارجية كان بمثابة إعلان رسمي بأن القرار الاستراتيجي للحزب لم يعد ينبع من بيروت، بل من مراكز القرار في الإقليم.
لقد تحول لبنان، بفعل هذا القرار، إلى ساحة لتلقي الضربات وتصفية الحسابات الإقليمية. وبدا واضحاً أن الحزب لا يتحرك كقوة دفاع وطنية لبنانية، بل كجزء من منظومة دفاع استباقي عن مصالح إقليمية كبرى. هذا التماهي الكامل مع المحور أدى إلى تدمير ممنهج للبنية التحتية اللبنانية، وتهجير مئات الآلاف، في حرب لم يخترها الشعب اللبناني ولم تستشره فيها حكومته.
المسمار الأخير: لبنان في محرقة الحرب مع إيران
تأتي الحرب الأخيرة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لتكون «المسمار الأخير» في نعش اللبنانية السياسية لحزب الله.
إن توريط لبنان في هذه المحرقة، وتحويل أرضه إلى منطلق للردود الإيرانية أو ساحة لاستقبال الصواريخ العابرة، أكد للداخل والخارج أن الحزب لم يعد سوى «فصيل من الحرس الثوري الإيراني».
إقرأ أيضا: «زحفًا نحو القدس» أم تعميمًا للخراب: كيف حوّلت إيران الشيعة العرب إلى وقود في حروبها
إن المشهد اليوم يتجاوز مجرد خلاف سياسي محلي، إنه صراع على تعريف الوطن. فحين يضحي تنظيم ما بمقدرات بلده، وبمستقبل أجياله، وبسلامة أراضيه من أجل تأمين “أوراق ضغط” في مفاوضات تجري بين عواصم كبرى، فإنه بذلك يسقط عن نفسه صفة “الحزب الوطني”.
لقد استبدل حزب الله “العلم اللبناني” بـ “الخريطة الإقليمية”، وفضل أن يكون جندياً في مشروع “إمبراطوري” بدلاً من أن يكون شريكاً في وطن.
في الختام، إن الحفاظ على لبنانية أي طرف سياسي يتطلب أولاً وقبل كل شيء الإيمان بـ «لبنان أولاً»، والالتزام بحدوده وسيادته ومصالح شعبه. أما الاستمرار في سياسة “تعدد الساحات” والارتهان الكامل للقرار الإقليمي، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الانسلاخ عن النسيج الوطني، ليبقى التحرير في عام 2000 مجرد ذكرى بعيدة لحزب كان يوماً ما لبنانياً، قبل أن تبتلعه طموحات الإمبراطورية.

