إخلاء سبيل علي برّو «مهدّد الدولة».. والموقوفون الإسلاميون بلا عدالة!

Ali Berro and Wafik Safa

في لبنان، لم تعد المشكلة في حدث بحد ذاته، بل في الطريقة التي يُدار بها الحدث، وفي الرسائل التي تُرسلها الدولة من خلال تعاملها مع كل ملف.

خطاب يستهدف الدولة… ومحاسبة غير مكتملة

قضية علي برّو لم تأتِ من فراغ، بل من سلسلة تصريحات موثقة أثارت جدلًا واسعًا، وصلت إلى حد الادعاء القضائي عليه بجرائم تشمل التحريض الطائفي والتهديد المباشر بالقتل بحق رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إضافة إلى التمرد على قرارات الدولة، ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل جرى توقيفه بعدما وُجهت إليه اتهامات بتهديد مؤسسات رسمية، بينها الجيش اللبناني نفسه، في سياق خطاب تصعيدي غير مسبوق.

هذا النوع من الخطاب، في أي دولة تحترم نفسها، يُفترض أن يُقابل بمحاسبة حازمة تعكس خطورة استهداف مؤسسات الدولة وهيبتها، لكن ما حصل لاحقًا فتح بابًا أوسع للنقاش، سرعة التوقيف، ثم مسار الإفراج، والضجة السياسية والإعلامية التي رافقت الملف، كلها عناصر أعادت طرح السؤال الأساسي في لبنان، هل العدالة واحدة للجميع، أم أنها تخضع لموازين القوة؟

بين ناشط يذم ويهدد مؤسسات الدولة يُفرج عنه وموقوفين يمضون سنوات خلف القضبان بلا محاكمة، تتكشّف صورة لبنان دولة بوجهين، وعدالة بمكيالين.

الموقوفون الإسلاميون: سنوات في السجون بلا حسم قضائي

في الجهة المقابلة، يقبع مئات الموقوفين الإسلاميين في السجون اللبنانية منذ سنوات طويلة، في ظل واقع قانوني شاذ، حيث يتحول التوقيف الاحتياطي إلى عقوبة مفتوحة.

هؤلاء، خلافًا لأي منطق قانوني سليم، لم ينالوا محاكمات سريعة، وبعضهم لا يزال ينتظر منذ سنوات من دون صدور أحكام، بل وفي حالات عديدة من دون وضوح كامل للتهم، لا ضجة إعلامية تحيط بهم، ولا تحركات سياسية جدية تفرض تسريع ملفاتهم، وكأنهم خارج حساب الدولة بالكامل.

مقارنة تكشف جوهر الخلل

المقارنة هنا ليست تفصيلية، بل جوهرية، في حالة، نشهد استنفارًا سياسيًا وقضائيًا وإعلاميًا خلال أيام، وفي حالة أخرى، صمتًا يمتد لسنوات، في حالة، تُفتح الأبواب سريعًا أمام المخارج القانونية، وفي حالة أخرى، تُغلق كل الأبواب أمام أبسط حقوق الإنسان، وهو الحق بمحاكمة عادلة ضمن مهلة معقولة.

هذا التفاوت لا يمكن تفسيره فقط بالاختلاف في طبيعة الملفات، بل يعكس خللًا بنيويًا في بنية العدالة نفسها.

يقبع مئات الموقوفين الإسلاميين في السجون اللبنانية منذ سنوات طويلة، في ظل واقع قانوني شاذ، حيث يتحول التوقيف الاحتياطي إلى عقوبة مفتوحة

الأخطر أن هذا الخلل لم يعد يُقرأ فقط كمسألة قانونية، بل كمسألة سياسية وطائفية بامتياز، حين يشعر جزء من اللبنانيين أن أبناء بيئتهم يُتركون في السجون بلا محاكمات، فيما تُدار ملفات أخرى بسرعة لافتة تحت ضغط النفوذ، فإن الثقة بالدولة تتآكل تدريجيًا، وعندما تترافق هذه الصورة مع خطاب إعلامي متفلّت يصل إلى حد تهديد الدولة نفسها من دون ردع حاسم، فإن الرسالة تصبح أكثر خطورة، هناك من هو فوق المحاسبة، وهناك من هو خارجها تمامًا.

عدالة بمكيالين… ودولة بوجهين

وفي خلفية كل ذلك، يقف المشهد اللبناني الأوسع، حيث الصراع على سلاح حزب الله، والانقسام الداخلي حول دور الدولة، والتجاذبات الإقليمية، والحرب الحالية، كلها عوامل تجعل من كل قضية فردية انعكاسًا لصراع أكبر على هوية البلد، في هذا السياق، لا تعود تصريحات فردية مجرد كلام، ولا تعود ملفات الموقوفين مجرد قضايا قضائية، بل تتحول إلى مؤشرات على ميزان القوى الحقيقي داخل الدولة.

إن العدالة التي تُقاس بالسياسة تفقد معناها، والدولة التي تعجز عن توحيد معاييرها القضائية تفتح الباب أمام تفككها الداخلي.

ما بين ناشط يذم ويهدد مؤسسات الدولة ويُلاحق ثم يُفرج عنه ضمن مسار سريع، وموقوفين يمضون سنوات خلف القضبان بلا محاكمة، تتكشّف صورة لبنان كما هي، دولة بوجهين، وعدالة بمكيالين.

وهنا، لا تعود القضية قضية شخص أو فئة، بل قضية مبدأ، إما أن يُعاد الاعتبار لمفهوم الدولة التي تحمي الجميع وتحاسب الجميع، أو يبقى البلد رهينة واقع مختل، حيث تتحول العدالة إلى امتياز لا إلى حق.

السابق
لبنان ما بعد الحرب: اقتصاد يتبخّر ومجتمع على حافة الانفجار
التالي
تصعيد سياسي وأمني بين الكويت والحزب: نفي قاطع… وتحقيقات تكشف خلية اغتيالات