عون أمام لحظة الحقيقة: السيادة أو السقوط

جوزاف عون

قبل أكثر من عام، دخل العماد جوزيف عون قصر بعبدا على وقع آمال لبنانية عريضة بطيّ صفحة الفراغ والانهيار. خطاب القسم لم يكن عادياً، بل جاء كتعهد صريح بإعادة بناء الدولة، وفرض حصرية السلاح، واستعادة القرار الوطني من قبضة المحاور.

لكن بعد ثلاثة عشر شهراً، تبدو هذه الوعود وكأنها اصطدمت بجدار صلب اسمه “حزب الله”، وبمنظومة سياسية يتقدمها رئيس مجلس النواب نبيه بري، التي لم تسمح بقيام دولة فعلية، بل أعادت إنتاج معادلة: دولة ضعيفة… وسلاح قوي.

حزب الله: الدولة داخل الدولة

ما جرى في الأشهر الأخيرة لم يكن مجرد تعثر في العهد، بل كان تثبيتاً لواقع أن القرار السيادي لا يُصنع في بعبدا، بل في مكان آخر. فـ”حزب الله” أعاد فتح جبهة الجنوب تحت عنوان “الإسناد”، واضعاً لبنان مجدداً في قلب صراع إقليمي يخدم إيران، غير آبه بمؤسسات الدولة ولا بمصالح اللبنانيين.

لم يكن ذلك تفصيلاً. كان إعلاناً واضحاً أن الحزب لا يعترف عملياً بمرجعية الدولة، وأن سلاحه ليس موضع نقاش بل أداة فرض. وهنا، سقطت أولى ركائز خطاب القسم: حصرية السلاح.

بري: حارس المعادلة القديمة

في موازاة ذلك، لم يقف نبيه بري في موقع الوسيط أو الضامن، بل في موقع الحامي السياسي لهذه المعادلة. من تعطيل أي مسار إصلاحي فعلي، إلى تأمين الغطاء السياسي لسلاح الحزب، وصولاً إلى إدارة التوازنات بما يمنع أي تغيير حقيقي.

ومع قرار وزارة الخارجية اللبنانية بطرد السفير الإيراني في بيروت بسبب تمادي بلاده بالتدخل بالشؤون الداخلية اللبنانية سياسيا وعسكريا، والتصريحات العلنية ان ايران تدعم حزب الله وسلاحه رغم اعلان الحكومة اللبنانية ان الحزب لم يعد “مقاومة” وسلاحه غير شرعي، ظهر بوضوح أكبر دور الرئيس يري الذي يقود معركة مفتوحة لإسقاط القرار، ليس دفاعاً عن الدبلوماسية، بل دفاعاً عن نفوذ طهران في لبنان، وعن شبكة المصالح التي ارتبطت بها لعقود.

إذا رضخ الرئيس عون للضغوط، يكون قد منح “حزب الله” وبري انتصاراً سياسياً كاملاً، وكرّس نهائياً أن القرار في لبنان لا يُتخذ في المؤسسات، بل يُفرض بالقوة.

اختبار سيادة أم لحظة إذعان؟

قرار طرد السفير الإيراني لم يكن خطوة عادية، بل اختبار مباشر: هل الدولة قادرة على اتخاذ قرار سيادي، أم أن كل قرار يجب أن يمر عبر “الفيتو” غير المعلن للحزب وحلفائه؟

الرد لم يتأخر. صاروخ يسقط في البحر، رسائل ضغط، وتصعيد سياسي داخلي. المعادلة واضحة: كل محاولة للخروج من الوصاية تُقابل بالتهديد.

وهنا يقف عون أمام الحقيقة العارية: إما أن يكون رئيس دولة، أو أن يتحول إلى شاهد على انهيارها.

لحظة الحسم: رئيس أم واجهة؟

لم يعد أمام رئيس الجمهورية هامش للمناورة. التراجع اليوم لن يكون تسوية، بل استسلاماً صريحاً يعيد تثبيت لبنان كدولة مخطوفة القرار.

فإذا رضخ للضغوط، يكون قد منح “حزب الله” وبري انتصاراً سياسياً كاملاً، وكرّس نهائياً أن القرار في لبنان لا يُتخذ في المؤسسات، بل يُفرض بالقوة.

أما إذا صمد، فسيكون أمام مواجهة مفتوحة، لكنها مواجهة قد تعيد رسم التوازن الداخلي، وتضع حداً لمسار طويل من الانحدار.

لبنان أمام مفترق تاريخي

ما يجري اليوم ليس مجرد خلاف سياسي. إنه صراع على هوية لبنان: هل هو دولة ذات سيادة، أم ساحة نفوذ إيراني تُدار عبر “حزب الله” وبرعاية داخلية؟

المجتمع الدولي يراقب، لكنه لن يتحرك ما لم يرَ دولة قادرة على اتخاذ القرار، واللبنانيون الذين دفعوا ثمن هذا الواقع لعقود، لم يعد لديهم ترف الانتظار.

في النهاية، المسألة لم تعد مرتبطة بجوزيف عون وحده، بل بمصير بلد كامل، إما أن يثبت أن الدولة لا تزال قادرة على النهوض، أو أن يُسجَّل عهده كمرحلة سقوط نهائي… تحت سلاح لا يُحاسَب، وسلطة تحميه.

السابق
سقوط «حارس المضيق»: إسرائيل تعلن تصفية قائد بحرية الحرس الثوري علي رضا تنكسيري
التالي
لبنان بين نار الميدان وضغط السياسة: من يجرّ البلاد إلى الحرب الشاملة؟