لا تُختصر الحروب في دويّ الانفجارات أو أرقام الضحايا التي تزدحم بها شاشات الأخبار، فثمة حرب أخرى تدور رحاها في الظل، بعيداً عن الجبهات المشتعلة؛ إنها حرب “الاستنزاف النفسي والمعنوي”. هذا النوع من الإرهاق ليس مجرد تعب عابر يزول بنوم هانئ، بل هو تآكل بطيء للهوية، وللمعنى، وللقدرة على الاستمرار، يتسلل إلى أعماق الإنسان والمجتمع ليحيلهما إلى كيانات تعيش “على الحافة” بانتظار المجهول.
سيكولوجية الانتظار: التكيف القاتل
يعيش الإنسان في مناطق النزاع حالة تُعرف بـ “الاستنفار الدائم”. الجهاز العصبي يبقى في وضعية “القتال أو الهروب” لفترات تمتد لأشهر وسنوات.
هذا الضغط المستمر يؤدي إلى ما يسمى “إرهاق التكيف”؛ حيث يضطر الفرد لابتكار آليات دفاعية تجعله يبدو متماسكاً ظاهرياً، بينما ينهار من الداخل.
إن التكيف مع أصوات القذائف، أو مع فكرة فقدان المنزل، أو العيش تحت تهديد الإخلاء المتكرر، ليس علامة قوة فحسب، بل هو “تخدير قسري” للمشاعر. هذا التخدير يولد حالة من “اللامبالاة النفسية”، حيث يفقد الفرد قدرته على التفاعل مع الأحداث العادية، وتصبح مشاعره محصورة في دائرة البقاء الضيقة.
هشاشة الروابط: من الفرد إلى المجتمع
إرهاق الحرب لا يتوقف عند حدود الفرد، بل يمتد ليفكك “العقد الاجتماعي”. عندما يستنزف الأفراد طاقتهم المعنوية في البحث عن الأمان والخبز والوقود، تصبح العلاقات الاجتماعية عبئاً إضافياً. يقلّ التسامح، وتزداد حدة الطباع، ويتحول المجتمع إلى جزر معزولة من القلق.
في لبنان، على سبيل المثال، يظهر هذا الإرهاق في التوتر اليومي بين السائق والراكب، وفي النزاعات الصغيرة على الموارد، وفي الشعور العام بالانكشاف.
إن “الأزمة الصامتة” تكمن في أن المجتمع يبدأ بفقدان “رأس المال الاجتماعي”؛ أي الثقة المتبادلة والرغبة في التعاون، ليحل محلها غريزة البقاء الفردي التي تضعف البنية الوطنية في مواجهة الأزمات الكبرى.
اغتيال “المستقبل” كفكرة
أخطر ما يفعله إرهاق الحرب هو “تجميد الزمن”. الإنسان الذي يعيش تحت وطأة التهديد المستمر يتوقف عن التخطيط، لأن “الغد” يصبح مفهماً مشكوكاً فيه. هذا الانقطاع عن المستقبل يولد شعوراً بالعجز والعدمية، خاصة لدى الأجيال الشابة التي تجد أحلامها معلقة على “شماعة” الأحداث الميدانية. إن فقدان “القدرة على الحلم” هو الموت المعنوي الذي يسبق الموت الجسدي، وهو الندبة التي لا تبرأ حتى بعد صمت المدافع.
نحو استراتيجية للصمود النفسي
إن مواجهة هذا الإرهاق تتطلب اعترافاً جماعياً بأننا “متعبون”. الصمود ليس إنكار الألم، بل هو القدرة على معالجته. نحن بحاجة إلى:
- أنسنة المعاناة: التوقف عن رؤية أنفسنا كأرقام، وإعطاء مساحة للتعبير عن الخوف والحزن دون خجل.
- التكافل المعنوي: تعزيز المبادرات الصغيرة التي تعيد بناء الثقة الاجتماعية، بعيداً عن السياسة.
- الوعي بالصدمة: إدراك أن ما نمر به هو “صدمة جمعية” تتطلب وقتاً طويلاً للتعافي، وأن الرعاية النفسية ليست ترفاً بل هي ضرورة بقاء.
إن ترميم الحجر قد يستغرق شهوراً، لكن ترميم الروح المنهكة قد يستغرق أجيالاً. إرهاق الحرب هو العدو الذي يسكن فينا، ومواجهته تبدأ باستعادة إنسانيتنا وسط الركام، وبالإصرار على أن حياتنا ومعنوياتنا ليست مجرد “أضرار جانبية” في صراعات الكبار.

