شكّلت فرنسا تاريخيًا أحد أبرز الفاعلين الدوليين في الشرق الأوسط، وخصوصًا في لبنان، حيث تداخلت المصالح السياسية مع الروابط الثقافية والتاريخية. غير أنّ لبنان اليوم يغرق في دوامة حرب إقليمية مفتوحة بين إيران وذراعها اللبناني، وبين إسرائيل والولايات المتحدة، فيما تبدو فرنسا، التي كانت يومًا لاعبًا مؤثرًا، عاجزة عن التدخل الفعّال. تصريحات باهتة، مساعدات إنسانية محدودة، وتراجع في النفوذ السياسي والاقتصادي، جعلت الدور الفرنسي أقرب إلى حضور شكلي، بينما تكشف الوقائع الميدانية عن انهيار سيادة لبنان وتحويله إلى ساحة صراع مفتوحة.
فرنسا شيراك: موقف حازم وتحدٍ لواشنطن
في عام 2003، أثبتت فرنسا بقيادة الرئيس جاك شيراك قدرتها على اتخاذ قرار سيادي حتى في مواجهة الضغوط الأميركية. لم يكن رفض الحرب على العراق موقفًا عاطفيًا، بل تعبيرًا صريحًا عن استقلالية القرار الفرنسي. ففي 15 فبراير/شباط 2003، خرج أكثر من مليون متظاهر في واحدة من أكبر التظاهرات ضد الحرب في تاريخ فرنسا، ما عكس إجماعًا شعبيًا داعمًا لموقف باريس.
في تلك المرحلة، حافظت فرنسا على علاقات استراتيجية مع العراق في عهد صدام حسين، وامتلكت نفوذًا إقليميًا ملموسًا. كما ساهمت العلاقة الشخصية بين شيراك ورئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري في الدفع نحو صدور قرار مجلس الأمن 1559، الذي نص على نزع سلاح الميليشيات في لبنان، في خطوة عكست قدرة باريس على التأثير الفعلي في المعادلات الإقليمية.
أما اليوم، فيظهر التراجع الفرنسي بشكل صارخ. فاكتفاء باريس بتصنيف الجناح العسكري فقط من حزب الله كمنظمة إرهابية، مقابل تصنيف شامل في دول مثل بريطانيا وألمانيا، لا يعكس توازنًا دبلوماسيًا كما تدّعي، بل يكشف ترددًا سياسيًا وخشية واضحة من مواجهة إيران ونفوذها. وهكذا، تحولت فرنسا من لاعب مبادر إلى مراقب متردد، يكتفي بإدارة العجز بدل تغييره.
حزب الله وإيران: لبنان كورقة حرب وتفاوض
لم يعد ممكنًا التعامل مع حزب الله كفاعل لبناني مستقل. فالحزب يشكّل امتدادًا عضويًا للحرس الثوري الإيراني، وخصوصًا “فيلق القدس”، حيث تُتخذ قرارات الحرب والسلم وفق حسابات إقليمية إيرانية، لا وفق المصلحة اللبنانية. وقد برز ذلك بوضوح منذ حرب 2006، وصولًا إلى المواجهات الحالية.
الحرب الدائرة اليوم، والتي اندلعت مع إطلاق الحزب صواريخ باتجاه إسرائيل، أدخلت لبنان مباشرة في قلب مواجهة أميركية–إسرائيلية–إيرانية، متسببة بدمار واسع في البنية التحتية واقتصاد منهك أصلًا. المدنيون هم الضحية الأولى، فيما يستمر الحزب في أداء دور الأداة التنفيذية للمشروع الإيراني، متجاوزًا الدولة ومصالح شعبها.
الأخطر من ذلك، أن لبنان يُستخدم كورقة تفاوض في صراعات لا علاقة له بها. فكل تصعيد أو تهدئة مرتبط بحسابات إقليمية، فيما يُترك اللبنانيون لمصيرهم في مواجهة النزوح، والانهيار الاقتصادي، وتفكك مؤسسات الدولة. إن ما يجري ليس مجرد أزمة داخلية، بل عملية سطو منهجية على سيادة بلد كامل.
فرنسا ماكرون: تصريحات بلا تأثير ودور متآكل
يواجه الرئيس إيمانويل ماكرون تحديات داخلية عميقة تُعد من بين الأخطر منذ أحداث مايو/أيار 1968، مع برلمان منقسم، وغياب أكثرية واضحة، وأزمات حكومية متلاحقة، فضلًا عن ضغوط اقتصادية متزايدة بعد جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا. هذا الضعف الداخلي انعكس مباشرة على السياسة الخارجية، ففقدت فرنسا قدرتها على المبادرة، وتحولت إلى طرف ثانوي في ملفات كانت تقودها سابقًا.
في هذا السياق، فشلت محاولات الوساطة الفرنسية بين لبنان وإسرائيل، كما أُلغي مؤتمر دعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية في مارس/آذار نتيجة تصاعد الحرب. وحتى قبل إلغائه، لم تكن فرص نجاحه جدية في ظل فتور الدعم الأميركي والسعودي، ما يؤكد أن باريس لم تعد قادرة على حشد غطاء دولي لمبادراتها.
أما زيارة ماكرون إلى بيروت عقب انفجار المرفأ عام 2020، فقد تحولت إلى لحظة استعراض سياسي أكثر منها نقطة تحول. إذ لم تسفر عن أي إصلاح فعلي، بل ساهمت عمليًا في إعادة تعويم طبقة سياسية متهمة بالفساد، من دون محاسبة أو تغيير حقيقي. وهكذا، بدت فرنسا وكأنها تمنح شرعية لمنظومة الانهيار بدل الضغط لتغييرها.
كما أن التوترات السابقة مع إدارة دونالد ترامب، إلى جانب التباينات مع إسرائيل بشأن الملف الفلسطيني، زادت من عزلة باريس، وقلّصت قدرتها على التأثير. وبذلك، لم تعد فرنسا لاعبًا مستقلاً، بل طرفًا يتحرك ضمن هامش ضيق ترسمه موازين القوى الدولية.
عجز الأدوات الفرنسية: دبلوماسية بلا قوة
في الواقع، لا تملك فرنسا اليوم أدوات ضغط حقيقية في لبنان. نفوذها المالي تراجع بشكل كبير مقارنة بالمؤسسات الدولية والدور الأميركي، كما أن قدرتها على التأثير العسكري شبه معدومة خارج إطار قوات الأمم المتحدة. وحتى دعمها للجيش اللبناني والقوى الأمنية، رغم أهميته النظرية، يبقى محدودًا ومجزأً، ولا يرقى إلى مستوى إعادة التوازن الداخلي أو فرض سيادة الدولة.
يزيد من هذا العجز تدهور العلاقات مع إسرائيل، لا سيما بعد إعلان إيمانويل ماكرون اعتراف فرنسا بدولة فلسطينية، إلى جانب كوكبة من الدول الأوروبية وأخرى، من نيويورك في الأمم المتحدة الصيف الماضي، ضمن مبادرة سعودية–فرنسية. هذا التحول السياسي الحاد وضع باريس في موقع أكثر تصادمًا مع إسرائيل، وقيّد هامش حركتها، وأضعف قدرتها على لعب دور الوسيط، في وقت تحتاج فيه أي مبادرة إلى حد أدنى من التوازن في العلاقات مع جميع الأطراف.
هذا العجز في أدوات القوة حوّل المبادرات الفرنسية إلى مجرد بيانات دبلوماسية لا تملك أي وزن فعلي. فالدبلوماسية، عندما تنفصل عن عناصر القوة، تتحول إلى خطاب فارغ. وهذا تحديدًا ما تعانيه فرنسا اليوم في لبنان: حضور لفظي يقابله غياب كامل عن التأثير الحقيقي.
تردد ومماطلة الدولة اللبنانية
ولا يقتصر المأزق على العوامل الخارجية، بل يتعمق أيضًا بفعل تردد ومماطلة السلطة اللبنانية في تنفيذ قراراتها. فالدولة التي أعلنت في أكثر من محطة رفضها لواقع السلاح خارج الشرعية، لم تترجم ذلك إلى خطوات تنفيذية واضحة، بما في ذلك القرار الأخير باعتبار أنشطة الحزب العسكرية والأمنية غير قانونية. هذا التناقض بين القرار والتنفيذ يفرغ مؤسسات الدولة من مضمونها، ويمنح الأمر الواقع شرعية فعلية على حساب السيادة.
تحولات النظام الدولي: تراجع أوروبي وصعود قوى أخرى
لا يمكن فصل التراجع الفرنسي عن التحولات الأوسع في النظام الدولي. فالولايات المتحدة ما تزال اللاعب الحاسم في الشرق الأوسط، فيما توسعت أدوار قوى أخرى مثل روسيا والصين، كلٌ وفق أدواته واستراتيجيته. في المقابل، تراجعت قدرة الدول الأوروبية، ومنها فرنسا، على فرض مبادرات مستقلة.
في هذا السياق، لم تعد باريس قادرة على التحرك بحرية، بل باتت تعمل ضمن هوامش ضيقة تحددها التوازنات الدولية. وهذا ما يفسر فشلها المتكرر في لبنان: فهي لا تملك القدرة على الضغط، ولا الاستقلالية الكافية للمبادرة، ولا التحالفات اللازمة لفرض حلول.
الخلاصة
تحوّل لبنان إلى ساحة صراع مفتوحة بين إيران وإسرائيل، يدفع فيها الشعب اللبناني ثمن تداخل الحسابات الإقليمية مع الانهيار الداخلي. وفي المقابل، تبدو فرنسا، التي لعبت يومًا دورًا محوريًا، عاجزة عن استعادة نفوذها أو حتى التأثير في مسار الأحداث.
ما يجري اليوم ليس مجرد تراجع مرحلي، بل تآكل عميق في الدور الفرنسي. فبين حزب الله الذي يربط لبنان بالمشروع الإيراني، ودولة عاجزة، ومجتمع دولي تحكمه موازين قوى قاسية، تكتفي باريس بالمراقبة وإصدار البيانات. إنها نهاية مرحلة كاملة من النفوذ، وبداية واقع جديد عنوانه: فرنسا خارج اللعبة إلى حدّ كبير نسبيًا.

