حين أصابت المقاومة العرب أكثر من إسرائيل!

في التفاوت بين الشعار والميدان، كيف يكشف مسار الصواريخ حقيقة الأولويات في المشروع الإيراني؟

منذ سنوات، بُني الخطاب الإيراني في المنطقة على ثنائية شديدة الجاذبية في ظاهرها، تتجلى بمقاومة إسرائيل من جهة، وادعاء الدفاع عن كرامة الأمة من جهة أخرى. غير أنّ مراجعة مسار القوة الفعلية، تكشف صورة مختلفة وأكثر دلالة.

المقاومة..بقتال العرب!

فالمجال العربي، وخصوصًا الخليجي، كان في الحرب الايرانية-الاسرائيلية هو الساحة الأكثر تعرضًا للصواريخ والمسيّرات المرتبطة بإيران، من الهجوم على منشآت أرامكو في السعودية، إلى هجمات مباشرة طالت دبي في الامارات ودول البحرين وقطر وسلطنة عمان، فيما بقيت الضربة الإيرانية المباشرة على إسرائيل أخف وطأة سياق هذا الصراع الذي يفترض أنه في صلب مواجهة اسرائيل.

هذه المفارقة ليست مجرد ملاحظة عسكرية، بل مدخل أساسي لفهم طبيعة المشروع نفسه. فإذا كانت إسرائيل هي العدو المركزي كما يقول الخطاب الإيراني، فكيف يمكن تفسير هذا الحجم من الضغط الممنهج على المجال العربي والذي يفوق حدة الهجوم على اسرائيل نفسها؟ وكيف يمكن فهم أن تكون العواصم والمدن والمنشآت العربية، لا الإسرائيلية، هي الساحات الأكثر تكرارًا في رسائل النار والاستنزاف؟

السلاح اداة نفوذ لا تحرير

الجواب لا يكمن فقط في الحسابات التكتيكية، بل في بنية المشروع السياسي نفسه. فالسلاح هنا لا يعمل بوصفه أداة تحرير بقدر ما يعمل بوصفه أداة نفوذ. ووظيفته، في كثير من المحطات، لم تكن فتح جبهة مستقرة ضد إسرائيل، بل إدارة توازنات الإقليم من داخل الساحة العربية، وإبقاء المنطقة في حالة هشاشة دائمة تسمح بتوسيع النفوذ، وابتزاز الخصوم، وفرض الحضور الإيراني عبر الوكلاء والمسارات غير النظامية. هذه ليست مقاومة بالمعنى التحرري للكلمة، بل هندسة مستمرة لعدم الاستقرار.  

لكن المسألة لا تتعلق فقط بجغرافيا الاستهداف، بل أيضًا بطبيعة النماذج المتصارعة في المنطقة. فدول الخليج، رغم ما يمكن أن يُسجَّل عليها من ملاحظات سياسية أو حقوقية، قدّمت خلال العقود الأخيرة نموذجًا مختلفًا في بناء الدولة ابتداءا من المؤسسات، والاقتصاد، والاستثمار، والبنى التحتية، ناهيك عن قدر من الاستقرار والتنمية. وهذا النموذج، بحد ذاته، يُشكّل نقيضًا مباشرًا لنموذج آخر قائم على عسكرة السياسة، وربط الشرعية بمنطق الصراع المفتوح، وتوسيع المجال السياسي عبر السلاح لا عبر الدولة.

إذا كانت إسرائيل هي العدو المركزي كما يقول الخطاب الإيراني، فكيف يمكن تفسير هذا الحجم من الضغط الممنهج على المجال العربي

من هنا، لا يبدو استهداف المجال العربي مجرد نتيجة جانبية لصراع أكبر، بل جزءًا من صراع أعمق على شكل المنطقة نفسها. فالمشكلة بالنسبة إلى هذا المحور ليست فقط مع خصومه السياسيين، بل مع أي نموذج عربي يثبت أن الدولة يمكن أن تُبنى خارج منطق الميليشيا، وأن الاقتصاد يمكن أن ينتج شرعية أقوى من شرعية التعبئة الأيديولوجية، وأن الاستقرار قد يكون أكثر إقناعًا من الخطاب الثوري الدائم. في هذا المستوى، يصبح استهداف العرب، ماديًا أو رمزيًا، جزءًا من رفض أوسع لفكرة الدولة الناجحة حين تكون عربية، ومستقلة، وغير ملحقة بمحور النفوذ الإيراني.

الافعال لا الاقوال

والأخطر من ذلك هو ما تقوله بعض الفئات السياسية والثقافية العربية الكارهة لذاتها في الأصل، التي لا تزال تقرأ استهداف دول الخليج بوصفه تفصيلًا ثانويًا في المعركة الكبرى، أو حتى بوصفه تطورًا يمكن تبريره أخلاقيًا وسياسيًا. وهذه ليست فقط مشكلة في التحليل، بل أزمة في تعريف العدو ومعنى الانتماء السياسي نفسه. لأن أي خطاب يدّعي الدفاع عن المنطقة لا يمكن أن يتجاوز ببساطة حقيقة أن الضحايا المتكررين لهذا المسار كانوا، في كثير من الأحيان، مدنًا عربية، ومصالح عربية، وأمنًا عربيًا.

لا يبدو استهداف المجال العربي مجرد نتيجة جانبية لصراع أكبر، بل جزءًا من صراع أعمق على شكل المنطقة نفسها.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ماذا يقول هذا المحور عن نفسه؟ بل ماذا تقول أفعاله عنه؟ وحين نقرأ الأفعال، يتضح أن الفجوة بين الشعار والميدان لم تعد قابلة للإنكار. فحين يُرفع اسم فلسطين عاليًا، بينما يُستنزف العرب على الأرض، لا نكون أمام مشروع تحرير، بل أمام مشروع نفوذ يرتدي لغة التحرير. وهنا تحديدًا تسقط الهالة الأخلاقية، ويظهر جوهر مسألة مفادها أن المقاومة ليست  هي ما يفسّر هذا المسار، بل إدارة الفوضى باسم المقاومة.

السابق
دعوة لوقفة وطنية موحدة: الاتحاد العمالي يطالب ببلسمة الجراح ومواجهة جشع التجار
التالي
منخفض جوي سريع.. وتحذير من الصقيع والجليد!