دخل لبنان، ومعه الطائفة الشيعية وبيئة “جبل عامل”، النفق الأكثر عتمة وقسوة في تاريخهم الحديث. لم يعد الأمر مجرد مواجهة عسكرية محدودة أو “مناوشات” حدودية، بل تحول بقرار إيراني صرف إلى “حرب وجودية” يخوضها “حزب الله” بالنيابة عن طهران، واضعاً مصير بلد بأكمله على طاولة المقامرات الإقليمية. فإذا كان “الإسناد الأول” قد أسفر عن تآكل السيادة وقضم نقاط حدودية، فإن “الإسناد الثاني” الذي أطلقه الحزب مؤخراً، يمهد الطريق فعلياً لاحتلال إسرائيلي كامل لمنطقة جنوب الليطاني، ويهدد بتهجير واقتلاع مجتمعٍ كامل من أرضه.
المحرقة الإيرانية والإنذار القاتل
بدم بارد، وبحسابات لا تمت للمصلحة الوطنية اللبنانية بصلة، دفع الحرس الثوري الإيراني بـ “حزب الله” إلى معركة انتحارية. واليوم، تقف منطقة تشكل 10% من مساحة لبنان أمام خطر الإفراغ الكامل، بعد الإنذار الإسرائيلي بإخلاء كل ما يقع جنوب الليطاني؛ هذه المنطقة التي كانت تنبض بالحياة بـ 300 ألف نسمة قبل الثامن من تشرين الأول 2023، تتحول اليوم إلى “أرض محروقة” تمهيداً لاجتياح واسع يهدف لفرض “منطقة عازلة” بقوة النار.
هذا المشهد الدراماتيكي ليس نتاج صدفة، بل هو الثمن الذي قررت طهران أن يدفعه اللبنانيون لرفع كلفة الضغط عن نظامها. لقد تحول الحزب من “قوة مقاومة” كما يدعي، إلى “درع بشري” يحمي مصالح الملالي، بينما يفترش أبناء الجنوب والضاحية والبقاع الطرقات في نزوح هو الأقسى والأكثر مرارة في تاريخهم.
نعيم قاسم: خطاب العصيان على الدولة
في خضم هذا الموت المتربص بكل زاوية، أتى الخطاب الأول للشيخ نعيم قاسم، زعيم ما تبقى من هيكلية “حزب الله”، ليكون بمثابة إعلان “عصيان رسمي” على الدولة اللبنانية وقراراتها السيادية. فبينما كانت الحكومة برئاسة نواف سلام، وبدعم من قائد الجيش العماد جوزاف عون، تحاول استعادة قرار السلم والحرب وحصر السلاح بيد الشرعية، جاء كلام قاسم ليرسخ التبعية المطلقة لجنرالات طهران.
لقد أكد خطاب قاسم أن الحزب ليس بوارد العودة إلى كنف الدولة، بل هو ماضٍ في تنفيذ أجندة الحرس الثوري حتى لو كان الثمن تدمير ما تبقى من هيكل الجمهورية واقتياد الطائفة الشيعية إلى “انتحار جماعي”. هذا الإصرار على المواجهة المفتوحة في ظل انعدام التوازن الميداني، يعكس عقلية “العصابة” التي تفضل حماية “محور الممانعة” على حماية مواطنيها الذين تحولوا إلى أرقام في لوائح النازحين.
هل تنجح الدولة في كسر الارتهان؟
إن لبنان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما الاستسلام لمنطق “الإسناد الثاني” الذي سيؤدي حتماً إلى احتلال الجنوب وتدمير الكيان، وإما الالتفاف حول قرارات الحكومة والجيش لانتزاع قرار السلم والحرب من مخالب طهران.
إن صرخة النازحين وأوجاع أهل “جبل عامل” يجب أن تكون الدافع لإنهاء هذه التبعية القاتلة. فالمصلحة الشيعية والوطنية تكمن في العودة إلى الدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الدولية، وليس في البقاء “وقوداً” في محركات الحرس الثوري الذي يستهلك دماء اللبنانيين لتأمين مقعد له على طاولة المفاوضات الكبرى. إن مسار “نعيم قاسم” هو مسار نحو الهاوية، والبديل الوحيد هو الدولة، والدولة فقط.

