عام مر على تولي القاضي نواف سلام رئاسة الحكومة اللبنانية في ظروف أقل ما يقال فيها إنها غير تقليدية، وذلك بعد تطورات الحرب التي شنتها إسرائيل ضد لبنان بعد أقل من عام على إطلاق حزب الله ما أسماه “حرب الإسناد” لغزة التي بدأها في الثامن من تشرين الأول 2023، في أعقاب عملية “طوفان الأقصى” التي قامت بها حركة “حماس” والتي أفضت -حتى الآن على الأقل- إلى كسر المحور الإيراني وتشتت ساحاته.
مخاض التكليف وتغير “المزاج” السياسي
قد لا يختلف اثنان على أن وصول القاضي نواف سلام لرئاسة الحكومة -وقبله انتخاب رئيس الجمهورية- قد فرضته هذه التطورات، بدليل أنه كان مرشحاً منذ العام 2019 ولم يحصل التوافق حوله يومها، الأمر الذي جرى عكسه هذه المرة عبر ما حصل من تغير في “مزاج” النواب بين عشية وضحاها ليلة التكليف، وهو أمر اعتاد عليه اللبنانيون للأسف -ولم نعد نعرف أهو لحسن أو لسوء الحظ-، وهكذا حط سلام في السراي الكبير رئيساً للحكومة ببرنامج يتلخص بحصرية السلاح بيد الدولة والإصلاح الاقتصادي والإداري. ولو أن الكثير من الأطراف السياسية الداخلية -إن لم يكن كلها- تدعي اليوم وصلاً بهذه العناوين كعادتها في المزايدة على بعضها البعض، هذه العناوين التي شكلت بشرعيتها وشعبيتها قوة دفع له بمواجهة ما يعتبره البعض نقاط ضعف لديه -بالمفهوم السياسي اللبناني- الذي يعتبر -للأسف- كل من هو خارج النادي السياسي التقليدي وشبكة العلاقات والمصالح المترابطة بين أطراف السلطة ضعيفاً، حتى ولو كان ينحدر -كالرئيس سلام- من عائلة سياسية وطنية عريقة، فضلاً عن ميزاته الشخصية والعلمية ونظافة كفه التي لا يمكن لأي مراقب منصف وموضوعي إنكارها.
معضلة التأليف والأعراف التقليدية
وبالرغم من “عدم تقليدية” الظروف التي حتمت وصوله إلى السلطة، إلا أن طريقة تشكيله للحكومة كانت جد تقليدية تبعاً للأعراف اللبنانية التي تحمل في طياتها بذور فشل -أو تفشيل- أي مسؤول مهما كان طموحاً ومخلصاً لأنها تقوم على المحاصصة والزبائنية؛ من مشاورات غير ملزمة مع الكتل البرلمانية التي، وبدلاً من أن تستمع لبرنامج عمل الرئيس ومدى تجاوبه مع مطالبها وأهدافها، يحصل العكس وتبدأ هي بوضع شروطها عليه سواء بالنسبة للسياسة أو لعدد الوزارات المطلوبة ومدى “سياديتها” أو مدى ما تقدمه من “خدمات” لجمهورها ومريديها.
قوة الدفع الخارجية والقرارات الصعبة
هكذا إذاً انطلقت حكومة نواف سلام قبل عام رغم بعض العقبات التي اعترت التكليف والتأليف من لدن “الثنائي الشيعي” على عادته لدى تأليف الحكومات المتعاقبة، وبدا واضحاً أن الحكومة -وقبله العهد- ينطلقان بقوة دفع خارجية حازمة أكثر منها داخلية صادقة، وذلك عبر لجم وإلزام الطبقة السياسية بالقبول بإصلاحات هيكلية كشرط لإعادة الدعم الذي يسمح بإعادة الإعمار وبناء الدولة، وهذا أمر لا يعيب العهد أو الحكومة طالما أنه في مصلحة البلاد والعباد.
إقرأ أيضا: الخزانة الأميركية ترفع اسم داني خوري عن لائحة العقوبات بعد إدراجه عام 2021
بقوة الدفع هذه تسنى لحكومة نواف سلام أن تقلع وتملأ الكثير من الشواغر في المراكز الحساسة في الدولة، مثل حاكمية البنك المركزي والأجهزة الأمنية وغيرها من دون عقبات تذكر، كما تخطت الحكومة قطوعات قراراتها الأخطر والأهم بدءاً من وقف رحلات الطيران الإيراني إلى بيروت، وفرض تفتيش الحقائب الإيرانية في المطار، مروراً بقرار حصرية السلاح بيد الدولة بدءاً من جنوب الليطاني وقبول ورقة المبعوث الأميركي توم باراك، بالرغم من انسحاب الوزراء الشيعة من جلسات الحكومة الذي كان أشبه باستعراض وتنفيس لاحتقان الشارع، الذي عاد وسجل نقطة على الحكومة بموضوع إضاءة صخرة الروشة بدت وكأنها “جائزة ترضية” له، وصولاً لتمرير قوانين السرية المصرفية وإصلاح المصارف والعمل اليوم على تمرير قانون الفجوة المالية، وهي قرارات لم تستطع أي من الحكومات السابقة منذ عام 2019 اتخاذها، بالرغم من وجود نفس الأطراف السياسية في الحكومات المتعاقبة، فما عدا مما بدا؟
بين التحرر من الشعبوية وارتهان النظام
هل هي قوة نواف سلام المتحرر من عبء الشعبوية التي تشكل ضغطاً على قرارات أي مسؤول، كما من عبء أي مصالح اقتصادية أو شخصية تربطه بأرباب الطبقة السياسية والاقتصادية في البلد؟ أم هو التكامل ما بين المشروع الوطني الذي يحمله وبين قوة الدفع الخارجية الناتجة عن تطورات الإقليم التي باتت تسمح وتضغط لتمرير ما لم يكن ممكناً تمريره منذ العام 2019، والذي كان -للتذكير فقط- قد طالب بجزء كبير منه الرئيس سعد الحريري قبل استقالته في نفس العام، ولدى إعادة تكليفه في العام 2020 بعد سقوط حكومة حسان دياب ولم يتم القبول به؟ لا نقول هذا الكلام تزكية لأحد أو انتقاصاً من أحد، ولكن بهدف إلقاء الضوء على الفشل الذي يعاني منه النظام السياسي في لبنان الذي صمم ليكون مشدوداً إلى الإقليم وتطوراته بحكم المحاصصة الطائفية التي تجعل لكل طائفة مرجعية إقليمية وخارجية، بحيث إن الأشخاص مهما علت مراتبهم ومهما كانت مهاراتهم تبقى قدراتهم مرهونة بمواءمة الظروف الإقليمية مع الداخلية، وهي مهمة ليست سهلة على أية حال.
تحديات الراهن وضبابية المستقبل
اليوم وبعد مرور عام على حكومة سلام ورغم الإنجازات التي حققتها نسبياً، تبقى نقطة ضعفها أنها تبدو بلا خطة عمل ولا رؤية اقتصادية طويلة الأمد لتحفيز النمو، بدليل الموازنة الأخيرة التي هي بغالبيتها لدفع الرواتب، وما القرارات الأخيرة المتسرعة بفرض ضريبة على صفيحة البنزين وزيادة نسبة ضريبة القيمة المضافة إلا دليل على التخبط وعدم وجود هذه الرؤية. وهي معركة جديدة تخوضها الحكومة إضافة إلى مشكلة الانتخابات النيابية المعقدة بفعل إهمال وترك مناقشة قانون الانتخاب كما في كل مرة -وعلى طريقة الحكومات السابقة- إلى اللحظات الأخيرة، وذلك كله في جو إقليمي محموم يحمل الكثير من نذر الحرب.
إقرأ أيضا: حين يتكل «الحزب» على «النفي العبري» لتصفية حساباته الوطنية!
فكيف سيتصرف نواف سلام؟ وهل تنجو حكومته من القطوع الجديد أم أن فترة السماح الخارجية انتهت؟ مرة أخرى ستكون الكلمة للميدان وما ستتركه المواجهة الأميركية-الإيرانية من تداعيات على المنطقة ومن ضمنها بالطبع لبنان، الذي كان يوصف يوم أن كان لديه دولة طبيعية بأن قوته في ضعفه، ليتحول اليوم ويصح فيه القول بأن ضعفه جاء نتيجة لقوة الدويلة التي تحكمت به على مدى السنوات الماضية، التي أثبتت الأيام والتطورات بأنها لم تحمِ ولم تبنِ، بل كانت سبباً رئيسياً من أسباب انهياره على كل المستويات. فهل ستساعد التطورات المقبلة لبنان على النهوض مجدداً بعد نصف قرن من الصراعات، أم ستدخله مرحلة جديدة من المعاناة في ظل تغول إسرائيل في المنطقة ومخططاتها التوسعية؟ على أمل أن تحمل الأيام والأسابيع المقبلة مؤشرات على الأجوبة، وذلك عبر معرفة مصير الانتخابات النيابية وبالتالي مصير حكومة نواف سلام.

