النظام الإيراني أمام لحظة الحقيقة

وجيه قانصو

الصراع الذي يخوضه النظام الإيراني اليوم هو صراع بقاء ووجود لا صراع هيبة وتقاسم نفوذ في المنطقة. فهامش مناوراته الدبلوماسية ضاق، وحيّز رهانه على الزمن والوقت بات معدوماً، وسياسات المواجهة التقليدية التي اعتمدها لعقود في اللعب الحذق على حافة الخطر خسرت فاعليتها، وأذرعه المنتشرة خارج حدوده تعرّضت لانتكاسات بنيوية وباتت عاجزة عن أن تكون خط دفاع أول للنظام أو قوة دعم وإسناد في مواجهاته القادمة أو ورقة ضغط وعنصر تهديد لاستقرار المنطقة. كما إن تحكم النظام المُطبق على أربعة عواصم عربية (لبنان، سوريا، العراق، اليمن)، والذي كان موضع تباهٍ وتفاخر للنظام وتجسيداً لتطلعاته وأحلامه الإمبراطورية، كل ذلك تحوّل إلى ماضٍ أسود منصرم تذرو بقاياه ظلمة العدم وقعر النسيان.

انكفأ النظام إلى حجمه الطبيعي وتحصّن داخل حدوده الجغرافية. لكن ذلك لم يكن كافياً لتوليد قوة صمود كافية له. فمعركة النظام مع العالم ليست معركة سيادة أو قضية أمة، بل منظومة أيديولوجية وبنية عقائدية بدأت بوعود كبرى وطموحات متضخمة، ثم سرعان ما تحوّلت إلى شبكة سلطة وهيمنة شبه كاملة على موارد البلد وقوة رقابة شديدة على المجتمع الإيراني وآلة قمع لا ترحم. لا نتكلم عن صراع أمة بمكوناتها المتنوعة لتثبيت حقها في تقرير مصيرها، بل عن نظام وصل إلى ذروة إخفاقه الداخلي في تدبير الأمور المعيشية، أي إخفاق الكفاية والأهلية. وتعمّقت الهوة بينه وبين مجتمعه إلى حد القطيعة الكاملة بينهما، وبات القمع والإسراف في القتل وسيلته الوحيدة للإمساك بزمام الأمور، الأمر الذي أفقده الأساس الأخلاقي لعلاقته بمجتمعه.

الصراع الذي يخوضه النظام الإيراني اليوم هو صراع بقاء ووجود لا صراع هيبة وتقاسم نفوذ في المنطقة. فهامش مناوراته الدبلوماسية ضاق، وحيّز رهانه على الزمن والوقت بات معدوماً

أزمة الشرعية وتآكل الأساس الأخلاقي

الأخطر في هذا كله هو أن شرعية النظام السياسية باتت مهددة مع ظهور مؤشرات قوية من داخل المجتمع الإيراني بالتطلع إلى انتظام سياسي بديل. والشرعية السياسية هنا لا تحصل بالخضوع للنظام، وإنما تتأسس على القبول والإقرار الطوعيين من أفراد المجتمع بتفويض سلطة معينة في إدارة شؤونه. وحين ينتفي هذا القبول والإقرار الطوعيان، فإن العلاقة بين المجتمع والسلطة تتبدل وتصبح قائمة على مبدأ القهر والغلبة. أي تصبح وسيلة الأمر السياسي الإكراه والقوة الضاربة، وتكون دوافع الانصياع للنظام هي الخوف والرعب لا التلبية الطوعية والطاعة الاختيارية. عندها يَختصِر النظام مجد أُمة برمزية شخص، ويتحوّل الولاء من شفافية صادقة وتعبير حر إلى تملّق كاذب للنظام وتبجيل مبتذل لقادته، وتُختزل تنوعات شعب بأيديولوجيا صارمة تخفي ميوله الفعلية وتزيّف حقيقة تطلعاته.

بين حصار الخارج وهشاشة الداخل

بين خارج يضيّق الخناق على نظام الملالي، وأرضية داخلية رخوة وهشة، يواجه النظام الإيراني تحدياته مكشوف الظهر، وفي حالة عزلة لا عن محيطه الإقليمي الخارجي فحسب، وإنما عن عمقه الاجتماعي. ما يجعل صراعه صراع مصير وبقاء النظام نفسه لا مصير وبقاء أمة، ودفاعاً عن أجندته وشبكة نفوذه وهيمنته لا دفاعاً عن تطلعات وآمال الشعب الإيراني في توقه للحرية وتطلعه لأفق حياة أرحب.

يَختصِر النظام مجد أُمة برمزية شخص، ويتحوّل الولاء من شفافية صادقة وتعبير حر إلى تملّق كاذب للنظام وتبجيل مبتذل لقادته

يقف النظام الإيراني الآن أمام منعطف تاريخي خطير لا تكفي الاستجابة لاستحقاقات هذا المنعطف: الالتفاف عليه، أو التكيف الشكلي معه، أو إعادة النظر في تكتيكات النظام وسياساته، أو التهويل بترسانته الصاروخية، أو تمترسه وراء تحالفات خارجية هشة، أو الإمعان في القمع الداخلي لإثبات الهيبة، أو التهديد بحرب شاملة، أو إعلان الحرب المقدسة وإشباع الصراع القائم بتأويلات دينية وتحشيدات غيبية.

عبثية تصدير الثروة

هو منعطف يمثل لحظة الحقيقة للنظام نفسه، لا في أدائه بل في سرديته التي أطل بها على مجتمعه وعلى العالم. منعطف متخم بدلائل ومؤشرات على أن تصدير الثورة كان فعلاً عبثياً مدمراً على المُصدِّر والمُصَدَّر إليه، وأن مشروع الدولة الإسلامية بأدبياته المبتذلة والساذجة وصل إلى نهاياته المأساوية، وأن تأسيس السياسة على أرضية عقائدية وغيبية هو مصادرة مبطنة لحرية الأفراد وإرادة المجتمع، وأن سلطة تفويض وتنصيب من خارج إقرار المجتمع تحمل بذور فنائها الذاتي، وأن الفقيه فاقد أهلية الحكم السياسي لكون السياسة مساحة اشتغال خارج منطقة التكليف أو الحكم الديني، وأن الفعل السياسي ليس استجابة لفتوى أو اتباع تكليف بقدر ما هو مساحة إثبات حر للذات وابتكار مساحة معنى للحياة، وأن منبع الشرعية لا يُستمد من نص أو تكليف دينيين بل يُستمد حصراً من سيادة المجتمع التي يكشف عنها توافق وإجماع وتضامن الإرادات الحرة داخل المجتمع.

تأسيس السياسة على أرضية عقائدية وغيبية هو مصادرة مبطنة لحرية الأفراد وإرادة المجتمع، وسلطة تفويض وتنصيب من خارج إقرار المجتمع تحمل بذور فنائها الذاتي.

لحظة خيار وجودي

لحظة الحقيقة هذه غير معنية بخطط المواجهة واستراتيجيات الدفاع التي سيعتمدها النظام. هي ليست لحظة مصير وبقاء له، وإنما لحظة خيار وجودي، انزياح نحو أفق معنى جديد، استجابة مؤلمة لكن واعدة لمنعطف تاريخي يستدعي تحولات بنيوية عميقة لا في شكل السلطة وهرميتها، وإنما في معناها وحقيقتها ومصدر مشروعيتها. لحظة عودة إلى الذات، يكون فيها الهروب من حتمياتها والبقاء في حال المكابرة والنكران اندفاعاً طوعياً نحو الفناء المتطاير بشظاياه في كل الاتجاهات، وتكون فيها شجاعة اعتراف الذات لذاتها وإزالة الحجب الكثيفة بينها وبين حقيقة ما عليه الأمور في طبائعها ومآلاتها وتحولاتها وضروراتها بشائر حياة جديدة للإيرانيين.

السابق
تصعيد على الحدود اللبنانية الجنوبية: رشقات نارية وطائرات مسيّرة تستهدف بنت جبيل وحولا ومركبا
التالي
Google Lyria 3: مايسترو رقمي يحوّل أفكارك إلى سيمفونيات حقيقية!