حين يرى الأعمى ما يخفيه المجتمع…

غلاف كتاب
الشيخ عباس حايك

ليس العمى، في رواية «نظرة الأعمى» لمامادو سامب، فقدانًا للبصر بقدر ما هو فقدانٌ للعدالة. فالأعمى هنا لا يقف على هامش الحكاية، بل في قلبها، بوصفه شاهدًا أخلاقيًا يرى ما يتعمّد المجتمع المبصر إخفاءه: القهر، النفاق، واستباحة الإنسان باسم العرف والدين.

اختيار الشيخ محمد أسعد قانصوه لترجمة هذا العمل لا يمكن قراءته بوصفه جهدًا لغويًا محضًا، بل موقفًا ثقافيًا وإنسانيًا واعيًا. فالترجمة هنا ليست نقل كلمات، بل نقل وجع مشترك، ومدّ جسر بين أفريقيا المسلمة وعالمنا العربي، حيث تتشابه الأسئلة وتتناظر المعاناة.

تقوم الرواية على مفارقة لافتة: المهمَّشون، الفقراء، والمنبوذون هم الأكثر قدرة على امتلاك البصيرة، فيما يعمى أصحاب السلطة والمال عن إنسانيتهم وهم في ذروة “الإبصار”. هنا، لا يكون العمى عاهة جسدية، بل نتاج نظام اجتماعي يرى المادة ويتجاهل الإنسان.

ما يلفت في الرواية هو هذا التقاطع المؤلم مع واقعنا العربي والإسلامي؛ حيث يتكرّر الفقر بوصفه قدرًا يوميًا، وتُختبر الكرامة كفعل مقاومة صامتة، ويُستعمل الدين أحيانًا غطاءً لغياب العدالة بدل أن يكون دافعًا لها. وبفضل الترجمة، نكتشف أن الثقافة السنغالية، بجذورها الصوفية والروحية، تلتقي مع موروثنا في الصبر والتكافل، حيث تبقى “البركة” حيّة رغم الفاقة، وتظلّ الأخلاق ملاذ الفقراء الأخير.

قمع جسد المرأة

تبلغ الرواية ذروة قسوتها في تناولها لجسد المرأة، وخصوصًا عبر ممارسة الختان. هنا لا يعود التقليد تعبيرًا ثقافيًا، بل أداة قمع منظّم، تُسحق فيها إنسانية المرأة تحت مسمّى “الطهارة” أو “العرف”، بينما الهدف الحقيقي هو إحكام السيطرة الاجتماعية. فالمرأة لا تملك جسدها، بل يُدار باسم الجماعة، وتُصادَر رغبتها باسم الفضيلة.

وتفضح الرواية تحالفًا مألوفًا في مجتمعاتنا: السياسي الذي يريد الطاعة، والبرجوازي الذي يريد الاستغلال، ومدّعي الدين الذي يمنح التبرير الأخلاقي. هكذا يتحوّل الفقر إلى نظام، ويُقدَّم القهر بوصفه مشيئة، ويُطالَب المظلوم بالشكر بدل المحاسبة.

أخطر ما تطرحه الرواية هو تزييف الإيمان، حين يُقنَع الفقير بأن فقره ومرضه وسلب حقوقه هي “إرادة سماوية”. فالرضا، وهو قيمة إيمانية نبيلة، يُفرَّغ من معناه، ويُحوَّل إلى مخدّر اجتماعي يمنع أي مساءلة أو تمرّد على الظلم، ويؤمّن الحماية لنزوات الأقوياء.

في جوهرها، ليست «نظرة الأعمى» رواية عن أفريقيا وحدها، بل عن عالمنا كلّه. إنها دعوة إلى استعادة البصيرة، والتمييز بين القدر الإلهي والظلم البشري؛ فالله لا يشرّع القهر، والسكوت عنه ليس تقوى، بل خيانة للإنسان.

بترجمة الشيخ محمد أسعد قانصوه، تصل هذه الصرخة إلى العربية واضحة، هادئة في لغتها، قاسية في مرآتها، وتترك القارئ أمام سؤال لا مفرّ منه:

من هو الأعمى حقًا؟

السابق
الشيخ قاسم: سلاح المقاومة خط أحمر..ولبنان لن يكون بوابة الهيمنة الأميركية – الإسرائيلية
التالي
سوريا الحرّة (1): حريّة المقاهي.. وغياب صور الرئيس