في خطوة وصفت بأنها بداية فعلية لمعالجة ملف “الاكتظاظ الممنهج” في السجون اللبنانية، أخذ قرار مجلس الوزراء بالأمس بشأن نقل المحكومين السوريين أبعاداً تنفيذية واضحة. فقد كشف نائب رئيس الحكومة، طارق متري، عن الملامح الفنية لهذه الاتفاقية التي ستشمل في مرحلتها الأولى قرابة 300 سجين سوري سيتم تسليمهم إلى سلطات بلادهم.
وأوضح متري أن هذه الآلية لن تكون عشوائية، بل ستخضع لضوابط قانونية صارمة، حيث كشف أن عملية التسليم ستقتصر حصراً على السجناء الذين أمضوا أكثر من 10 سنوات خلف القضبان اللبنانية. ويهدف هذا المعيار إلى تخفيف الضغط عن السجون من جهة، وضمان أن المحكومين قد أمضوا جزءاً كبيراً من عقوباتهم في لبنان قبل استكمالها في بلد الجنسية (سوريا).
وخلال تلاوته لمقررات جلسة بعبدا، أكد وزير الإعلام بول مرقص أن الاتفاقية وُقعت استناداً إلى مبدأ “نقل المحكومين من بلد صدور الحكم إلى بلد جنسية الموقوف”.
إقرأ أيضا: الأحوال الشخصية تعلن جهوز القوائم الانتخابية الأولية 2026–2027: دعوة للناخبين للتدقيق وتقديم التصحيحات
والمفارقة السياسية اللافتة كانت “الصمت الإيجابي” داخل الجلسة؛ حيث أُقرّ البند دون تسجيل أي اعتراض من أي مكوّن وزاري، مما يعكس توافقاً وطنياً عريضاً على ضرورة إيجاد حلول “سيادية” لملف السجون المتهالك.
الأبعاد الاستراتيجية للقرار في عام 2026:
- تخفيف العبء المالي: يساهم نقل هذا العدد من السجناء في تقليص ميزانية التغذية والرعاية الطبية والحراسة التي تتكبدها خزينة الدولة اللبنانية المنهكة.
- التنسيق الأمني والقضائي: يفتح القرار الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون التقني بين بيروت ودمشق لمعالجة الملفات العالقة، بعيداً عن السجالات السياسية العقيمة.
- إقرار منهجية “السيادة”: يتزامن هذا القرار مع إقرار “منهجية إعادة الإعمار” وتعيينات “الهيئة الوطنية للنفايات”، مما يظهر حكومة نواف سلام بمظهر السلطة التي تنتقل من “تصريف الأعمال” إلى “إدارة الملفات الكبرى”.
ماذا بعد التوقيع؟
وبانتظار استكمال التوقيع الرسمي مع الجانب السوري، تدخل هذه الاتفاقية مرحلة التحضير اللوجستي. وسيكون على وزارة العدل وقوى الأمن الداخلي إعداد القوائم النهائية وفق معيار الـ “10 سنوات” لضمان سلاسة التنفيذ، وسط ترقب حقوقي ودولي لطريقة تطبيق هذه الآلية ومدى مواءمتها مع المعايير القانونية الدولية.
لبنان 2026 يبدأ بتنظيف ملفاته الشائكة؛ فمن “النفايات الصلبة” إلى “إعادة الإعمار”، وصولاً إلى “تفريغ السجون”، يبدو أن التوافق في قصر بعبدا قد وجد طريقه أخيراً نحو قرارات تنفيذية تخفف عن كاهل الدولة والمواطن أعباءً استمرت لعقود.

