بين «موت الميكانيزم» ونار الغارات: لبنان في العدّ العكسي لانفجار هدنة هشة

غارات

يشهد لبنان أخطر لحظاته منذ إقرار اتفاق 27 تشرين الثاني لوقف الأعمال العدائية، بعدما دخلت الهدنة القصيرة في مرحلة اهتزاز عميق تحت وطأة تصعيد إسرائيلي غير مسبوق، مستفيداً من شلل «الميكانيزم» الدولي لمراقبة التنفيذ، ومن انسداد الأفق السياسي الداخلي المرتبط بملف السلاح. الغارات العنيفة التي طالت قناريت وجرجوع والكفور النبطية لم تكن مجرد استهدافات عسكرية اعتيادية، بل رسائل نارية تعكس انتقال إسرائيل من سياسة الاحتواء إلى فرض الوقائع بالنار، في سباق محموم مع ما تبقى من جهود دبلوماسية.

هدنة على حافة الانهيار

التصعيد الأخير يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تراجعت وتيرة اجتماعات لجنة مراقبة وقف إطلاق النار إلى حد «الموت السريري». هذا الفراغ الرقابي حوّل الجنوب اللبناني إلى ساحة مفتوحة بلا ضابط دولي، ما أتاح لإسرائيل توسيع هامش عملياتها العسكرية من دون كلفة سياسية فورية. ومع كل إنذار إخلاء، يتكرس واقع جديد: قرى مفرغة، وسكان بلا حماية، وهدنة تتآكل يوماً بعد يوم.

فرض الجغرافيا بالقوة

تسعى إسرائيل، وفق معطيات ميدانية، إلى تكريس منطقة عازلة فعلية شمال الليطاني عبر سياسة الأرض المحروقة. الغارات المركّزة تستهدف ما تعتبره «إعادة ترميم للبنية التحتية» لحزب الله، في رسالة واضحة بأن أي عودة للتهدئة ستكون مشروطة بتغيير جذري في الواقع العسكري، لا بمجرد تفاهمات ورقية أو آليات مراقبة معطلة.

لبنان بين المطرقة والسندان

في المقابل، يواجه لبنان معادلة قاسية: ضغط إسرائيلي متصاعد، يقابله تعنّت داخلي حول ملف السلاح. هذا التناقض يضع الدولة أمام مأزق وجودي، إذ تتحول المطالبة الدولية بحصرية السلاح إلى شرط صريح لاستمرار الدعم، وخصوصاً مع اقتراب مؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس. فالدعم العسكري بات مشروطاً، والرسائل الدولية لم تعد ملتبسة.

الجيش في واجهة الرهان الدولي

وسط هذا المشهد، يبرز الجيش اللبناني كالعنوان الوحيد المتبقي للاستقرار. الاجتماع الذي عُقد في اليرزة بحضور سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا عكس حجم الرهان الدولي على المؤسسة العسكرية، لكنه في الوقت نفسه كشف حدود هذا الرهان. فحماية الحدود وضبطها، كما أكد قائد الجيش العماد رودولف هيكل، تتطلب دعماً نوعياً لا يمكن فصله عن قرار سياسي داخلي جامع.

رسائل تتقاطع إقليمياً

التصعيد في الجنوب لا ينفصل عن السياق الإقليمي الأوسع: من غزة إلى طهران، حيث تتداخل الرسائل العسكرية مع المشاريع السياسية. إسرائيل توجه إنذاراً مزدوجاً: للبنان الرسمي بأن الوقت يضيق، وللمجتمع الدولي بأن صيغ التهدئة السابقة فشلت. وفي الخلفية، تتكامل هذه الرسائل مع ضغوط أميركية–غربية لإعادة رسم قواعد الاشتباك، ليس في الجنوب فقط، بل في كامل الإقليم.

إلى أين؟

لبنان يقف اليوم عند مفترق حاسم: إما استعادة زمام المبادرة عبر تثبيت الدولة وحصرية السلاح، وإما الانزلاق نحو مرحلة تصعيد مفتوح قد يطيح بما تبقى من هدنة هشة. العدّ العكسي بدأ، وما لم يُكسر هذا المسار، فإن «الستاتيكو القلق» سيتحول سريعاً إلى انفجار شامل، تدفع كلفته الدولة والمجتمع معاً.

السابق
استدعاء حسن عليق بعد اعتباره السلاح شرعيًا «أكثر من عهد الرئيس عون» 
التالي
حارث سليمان يكتب لـ «جنوبية»: ترامب ومنهج القوة العارية