وسط حشد من قادة العالم ورؤساء كبرى الشركات العالمية، وصل رئيس مجلس الوزراء نواف سلام إلى مدينة دافوس السويسرية للمشاركة في فعاليات “المنتدى الاقتصادي العالمي”.
وتأتي هذه المشاركة في لحظة فارقة من تاريخ لبنان، حيث يسعى سلام – متسلحاً بخلفيته الحقوقية والدولية – إلى إعادة تموضع لبنان على الخارطة الاستثمارية والسياسية الدولية، مستعيداً في الوقت ذاته إرثاً طويلاً من الحضور اللبناني في هذا المحفل العالمي الذي لطالما كان بوابة بيروت نحو المجتمع الدولي.
وفد تقني وأجندة مثقلة
رافق الرئيس سلام في زيارته مديرة مكتبه السيدة فرح الخطيب، حيث كان في استقباله سفير لبنان في برن حسين حيدر والقنصل ساندي خليل.
وتؤكد مصادر مرافقة أن الأجندة اللبنانية في دافوس هذا العام لن تقتصر على البروتوكول، بل ستتركز على عقد لقاءات ثنائية مع مديري المؤسسات المالية الدولية وصناع القرار الاقتصادي، لشرح خطة التعافي اللبنانية وآخر ما توصلت إليه الحكومة في ملف الإصلاحات الهيكلية.
لبنان “الجسد المنهك” في قلب النقاشات
تأتي مشاركة لبنان في ظل ظروف إقليمية معقدة، حيث يرخي التوتر على الحدود الجنوبية بظلاله على الواقع الاقتصادي. ومن المتوقع أن يركز الرئيس سلام في كلماته ولقاءاته على النقاط التالية:
الاستقرار كمدخل للنمو:
التأكيد على أن لا نهوض اقتصادياً مستداماً في لبنان دون تطبيق القرارات الدولية وضمان استقرار الحدود، وهي الرسالة التي يحملها سلام كخبير قانوني ودبلوماسي سابق.
إعادة الثقة بالقطاع المصرفي:
عرض رؤية الحكومة لإعادة هيكلة المصارف وحماية حقوق المودعين كخطوة أساسية لجذب الاستثمارات الخارجية التي يحتاجها لبنان لإعادة الإعمار.
أزمة النزوح والعبء الاقتصادي:
وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه كلفة النزوح السوري وتأثيرها المباشر على البنى التحتية والاقتصاد الوطني، خاصة في ظل تراجع الدعم الدولي.
منصة “دافوس” وحلم التعافي
يمثل منتدى دافوس فرصة ذهبية لرئيس الحكومة اللبنانية للتواصل المباشر مع صناديق الاستثمار العالمية. فلبنان اليوم، برغم أزماته، يمتلك فرصاً واعدة في قطاعات الطاقة المتجددة، التكنولوجيا، وإعادة بناء المرفأ، وهي ملفات من المفترض أن يطرحها الوفد اللبناني كفرص استثمارية لمرحلة ما بعد الاستقرار.
تحديات ومخاوف
ومع ذلك، يدرك الرئيس سلام أن الطريق إلى جلب الاستثمارات يمر عبر بوابة “الإصلاح الملموس”. فالمجتمع الدولي في دافوس لا يكتفي بالوعود، بل يبحث عن أرقام وتشريعات وضمانات سيادية. وسيكون التحدي الأكبر هو إقناع العالم بأن لبنان “2026” يسير فعلياً نحو دولة المؤسسات، بعيداً عن سياسة المحاصصة التي استنزفت مقدراته لسنوات.
إقرأ أيضا: لماذا سكتت «لجنة الميكانيزم» فجأة؟.. إليك كواليس الترتيبات الأميركية الجديدة
وطالما كان لبنان حريصاً على التواجد في دافوس، ليس كقوة اقتصادية ضخمة، بل كـ “مركز مالي وثقافي” يبحث عن موطئ قدم في الاستثمارات الدولية.
1. حقبة التسعينات (الرئيس رفيق الحريري)
يُعتبر الرئيس الشهيد رفيق الحريري من أبرز الشخصيات اللبنانية التي استثمرت في “منبر دافوس”. في مطلع التسعينات، كسر الحريري القيود السياسية التي كانت تفرضها الوصاية السورية آنذاك (التي كانت تعتبر دافوس منبراً مشبوهاً)، وساهم في تنظيم لقاءات لرجال أعمال لبنانيين للترويج لإعادة إعمار بيروت.
2. مشاركات الألفية الجديدة
الرئيس نجيب ميقاتي: شارك بانتظام، سواء بصفته رجل أعمال عالمي أو كرئيس حكومة (خاصة في 2011 و2013)، وكان يركز دائماً على تسويق لبنان كـ “منارة للديمقراطية والتعددية” في الشرق الأوسط.
الرئيس تمام سلام: شارك في عام 2016 بوفد رسمي، حيث ركزت لقاءاته على أزمة النزوح السوري وتأثيرها على الأمن القومي والاقتصادي اللبناني.
إقرأ أيضا: انتخابات تحت الترهيب.. علي الأمين: السلاح يصادر أصوات الشيعة ويمنع التغيير
جبران باسيل (2020): أثارت مشاركته في تلك السنة جدلاً واسعاً في الداخل اللبناني، تزامناً مع اندلاع احتجاجات “17 تشرين”، حيث دافع عن السياسات الاقتصادية اللبنانية في حوارات اتسمت بالحدة مع الصحافة العالمية.
3. المشاركة الحالية (2026)
وتعد مشاركة سلام في دافوس بمثابة “مهمة استطلاعية وترويجية” للبنان الجديد الذي يحاول النهوض من تحت الركام.
كما تأتي مشاركة لبنان هذا العام (تحت شعار “روح الحوار”) كمحاولة لترميم العلاقات اللبنانية مع المجتمع الاستثماري الدولي، خاصة في ظل تحولات إقليمية كبرى تتطلب وجود لبنان على طاولة النقاشات الجيوسياسية والاقتصادية.
التحدي الأكبر: هل تنجح “روح الحوار”؟
واليوم، يدرك المجتمع الدولي في دافوس أن لبنان “2026” يقف أمام فرصة أخيرة. فرغم “الحيويّة الكامنة” التي بدأت تظهر في الاقتصاد اللبناني مؤخراً، إلا أن المستثمرين يبحثون عن “إصلاح ملموس” وضمانات سيادية تتجاوز الوعود.
فهل ينجح سلام في تحويل اللقاءات الجانبية في أروقة المنتدى إلى التزامات فعلية تدعم الليرة اللبنانية المنهكة وتعيد ضخ الحياة في الشرايين الاقتصادية؟ الأيام القليلة المقبلة في سويسرا ستحمل الإجابة.

