تشهد الساحة الجيوسياسية في بداية عام 2026 توترات ملحوظة حول الأزمات التي تلاحق حلفاء روسيا التقليديين: فنزويلا وإيران. إذ أثار اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ومحاولات الولايات المتحدة فرض سيطرتها على البلاد قلق النخب الروسية، فيما شكّلت الاحتجاجات المتصاعدة في إيران، المستمرة منذ أكثر من أسبوعين، تحديًا إضافيًا للمواقف الروسية. ووفقًا لمصادر مقرّبة من الإدارة الرئاسية الروسية، فإن روسيا تواجه خطر فقدان أحد أهم حلفائها في أميركا اللاتينية وآخر في الشرق الأوسط، ما يهدد التحالفات الاستراتيجية التي طالما بنتها على أساس مواجهة الهيمنة الأميركية.
إيران وفنزويلا: حلفاء استراتيجيون في خطر
لطالما كانت إيران وفنزويلا دولتين ذواتَي أهمية استراتيجية بالنسبة لروسيا، وكان الكرملين يعرضهما كحليفين أساسيين في مواجهة النفوذ الغربي بقيادة الولايات المتحدة. في فنزويلا، كانت روسيا تقدم الدعم للنظام الفنزويلي الذي قاده مادورو في مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة، بما في ذلك العقوبات القاسية. وفي إيران، سعت روسيا إلى تطوير شراكة قوية في مجالات الطاقة والعلاقات العسكرية، خاصة في ظل التوترات مع الغرب حول برنامج إيران النووي.
لكن، في ظل الأحداث التي شهدتها هاتان الدولتان في بداية عام 2026، أصبح الموقف الروسي أكثر تعقيدًا. ففي فنزويلا، تصاعدت المخاوف بعد اعتقال مادورو ومحاولات الولايات المتحدة تولي زمام الأمور في البلاد، في وقت لم تُبدِ روسيا أي تحركات حاسمة لدعمه. كما شهدت إيران موجة من الاحتجاجات الشعبية التي أدت إلى مواجهات عنيفة مع السلطات، ما زاد من تعقيد الوضع في الشرق الأوسط.
القلق الروسي: هل تفقد موسكو حلفاءها؟
كان القلق في الأوساط الروسية جليًا. فموسكو ترى في انهيار دعمها لفنزويلا وإيران تهديدًا مباشرًا لمشروعها الجيوسياسي في العالم، خاصة في ظل التحركات الأميركية المستمرة في نصف الكرة الغربي. ويعتقد المسؤولون الروس أن خروج فنزويلا وإيران من دائرة نفوذها يمكن أن يضعف مفهوم “العالم متعدد الأقطاب” الذي يروج له الرئيس فلاديمير بوتين.
وتُعد هذه الخسارة بمثابة تحدٍّ على صعيد الصورة الدولية لروسيا. وكما أكد أحد المصادر المقرّبة من الحكومة الروسية: “حلفاء الدول القوية لا يُهزمون بهذه الطريقة”. ويرى البعض أن الوضع في فنزويلا وإيران يضرب مصداقية روسيا كحليف يمكن الاعتماد عليه في أوقات الأزمات، ويُظهرها في موقف أقل قدرة على حماية حلفائها.
موقف روسيا الرسمي: تجنّب التصعيد والتعامل بحذر
رغم القلق الذي يشعر به المسؤولون الروس، فإن الرد الفعلي على الأحداث في فنزويلا وإيران كان متواضعًا. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي عاد من إجازته في كانون الثاني 2026، لم يُعلّق علنًا على قضية اعتقال مادورو أو على العمليات الأميركية في فنزويلا. ولم يصدر أي بيان رسمي يدين هذا التحرك أو يشير إلى اتخاذ إجراءات عسكرية لدعم الحكومة الفنزويلية. واعتبر مسؤولون روس أن الرد الفعلي على هذه الأزمات يتطلب موارد ودعمًا أكبر مما تستطيع موسكو تقديمه في الوقت الحالي، خاصة في ظل تركيزها على الوضع في أوكرانيا وأمنها الداخلي.
إيران وفنزويلا في الإعلام الروسي: تغطية محدودة وتعامل حذر
على صعيد الإعلام الروسي، تلقت وسائل الإعلام الحكومية تعليمات بتغطية الأحداث في فنزويلا، مع توفير سياق حول احتمالية ضم الولايات المتحدة لغرينلاند، والتعليقات السلبية للرئيس الأميركي دونالد ترامب على الوضع في المكسيك وكوبا. وعلى الرغم من الاهتمام الدولي بما يحدث في فنزويلا وإيران، تجنبت وسائل الإعلام الروسية الخوض في تفاصيل دقيقة حول هذه الأحداث، مكتفية بالإشارة إلى التصريحات الرسمية.
أما في ما يتعلق بالاحتجاجات في إيران، فقد تعاملت وسائل الإعلام بحذر شديد، مع الإشارة إلى الوضع المتأزم من دون الدخول في تفصيلات قد تؤدي إلى صدامات مع الغرب. ويعكس ذلك الانقسام بين السياسة الخارجية الروسية والموقف الداخلي، الذي لا يعير أهمية كبيرة لهذه الأزمات، إذ يرى العديد من المواطنين الروس أن ما يحدث في إيران وفنزويلا لا يتطلب تدخلًا أو اهتمامًا مباشرًا.
سمعة روسيا على المحكّ
إن روسيا اليوم أمام اختبار صعب في سياستها الخارجية. فتراجع دعمها لفنزويلا وإيران قد يؤثر بشكل كبير على سمعتها كداعم موثوق لحلفائها في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها. وتبرز هذه التوترات تحديات مستقبلية في بناء التحالفات مع دول أخرى، خاصة في ظل تزايد المخاوف من فقدان مصداقيتها كقوة دولية قادرة على حماية مصالح حلفائها.
وإذا كانت روسيا قد فشلت في تقديم الدعم الكافي لفنزويلا وإيران في وقت الحاجة، فإن ذلك قد ينعكس سلبًا على قدرتها على جذب حلفاء جدد في المستقبل. ومع ذلك، تظل القيادة الروسية حريصة على تجنب المواجهات المباشرة مع الولايات المتحدة في هذه المرحلة، تاركة المجال للوقت لتحديد ما إذا كانت ستتمكن من الحفاظ على دورها المؤثر في الساحة الدولية.

