بين شرط الخمسين عاماً وتجميد المادة 16.. انتخابات تنهي الفراغ وتفتح باب الانقسام في المجلس الشيعي

المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى

في ظل فراغٍ ثقيل يخيّم على المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وشللٍ مزمن يطال مفاصله الإدارية والدستورية، يبدو أنّ «الثنائي الشيعي» حسم خياره: إنهاء المراوحة بأي ثمن. لكن هذه المرّة، لم يكتفِ الثنائي بتداول أسماء أو تسريب ترشيحات، بل انتقل إلى خطوة أكثر حسماً، عبر صياغة اقتراح قانون «استثنائي» ومفصّل، يفتح الطريق أمام انتخابات سريعة لسد الشغور الرئاسي وتجديد الهيئات التي انتهت ولايتها منذ عام 2021.

قانون على عجل… لكسر الجمود

بحسب المعلومات المتوافرة، أُنجز اقتراح القانون بالفعل، ومن المتوقّع أن يتقدّم به النائبان قبلان قبلان وحسن فضل الله في أول جلسة تشريعية لمجلس النواب، تمهيداً لإقراره. وخلال الأسابيع الماضية، انكبّ ممثلا الثنائي على وضع اللمسات الأخيرة لهذا النص، الذي يُوصف بـ«الاستثنائي»، والهادف إلى كسر حالة الركود داخل المجلس عبر آلية انتخابية جديدة تُطبَّق لمرة واحدة.

الهدف المعلن هو تجاوز تعذّر إجراء الانتخابات وفق الآلية التقليدية القائمة على الهيئة العامة الواسعة، والتي تتطلب تحضيرات لوجستية وتنظيمية ضخمة، ظلّ المجلس عاجزاً عن توفيرها، فيما غضّ الثنائي الطرف عنها لسنوات طويلة.

شرط العمر وتجميد المادة 16

تكشف المصادر أنّ القانون المقترح يرسم مساراً انتخابياً مختلفاً جذرياً عمّا هو معمول به. إذ ينص على انتخاب الهيئة الشرعية للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ثم انتخاب الرئيس ونائبيه وتعيين الهيئة التنفيذية، وفق آلية محدّدة.

وتنص المادة الأولى من الاقتراح على الآتي:

خلافاً لأي نص آخر ولمرة واحدة، تُنتخب الهيئة الشرعية من قبل علماء الدين الشيعة اللبنانيين الذين أتمّوا الخمسين عاماً من العمر وما فوق. وبعد ذلك، تقوم الهيئة بانتخاب رئيس المجلس، على أن تُجمَّد المادة 16 من النظام الداخلي، ويُصار إلى تعيين الهيئة التنفيذية، ثم تنتخب الهيئتان معاً نائبي الرئيس والأمين العام بأغلبية الأصوات.

وبحسب المصادر، يُكلَّف المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان بتشكيل لجنة من أصحاب الخبرة والاختصاص، لوضع الإجراءات التنظيمية اللازمة لإتمام العملية الانتخابية.

انتخابات محسومة… وأسماء متّفق عليها

ورغم الطابع «الانتخابي» للقانون، تشير المعطيات إلى أنّ الاستحقاق سيكون أقرب إلى إجراء شكلي، بعدما توصّل الثنائي إلى تفاهمات مسبقة حول معظم الأسماء التي ستملأ الشواغر.

وتؤكد المعلومات تراجع اسم إمام النبطية الشيخ عبد الحسين صادق، بعد اعتراض حزب الله عليه، مقابل عودة اسم الشيخ علي بحسون إلى الواجهة كمرشح أساسي لرئاسة المجلس. في المقابل، عرض حزب الله، منفرداً، على نائب الرئيس المنتهية ولايته الشيخ علي الخطيب الاستمرار في موقعه، إلا أنّ الأخير وضع شروطاً لقبول العرض، أبرزها الإبقاء على إقامته في مقر المجلس في الحازمية مع مستشاريه، وتوسيع صلاحياته.

صراع المواقع… وانقسام على الأرض

لكن المشهد لا يخلو من توترات مكتومة. فبحسب المعلومات، الخلاف الشخصي بين الشيخ علي الخطيب، المدعوم من حزب الله، والشيخ علي بحسون، نائب رئيس هيئة التبليغ والمدعوم من حركة أمل، بلغ مستوى متقدّماً. وهو خلاف مرشّح، في حال انتخاب بحسون رئيساً وفق شروط الخطيب، لأن يتحوّل إلى انقسام فعلي داخل المجلس.

فقد بادر الشيخ الخطيب، قبل نحو عامين، إلى إجراء أعمال صيانة للمبنى القديم للمجلس في الحازمية، وأعاد تفعيله كمركز رسمي ومقرّ عمل له مع مستشاريه وموظفين مقرّبين، كما استقرّ فيه مع عائلته، وهو المبنى الذي كان قد سكنه الإمام موسى الصدر قبل الحرب الأهلية.

في المقابل، يضمّ المبنى الرسمي الأساسي للمجلس في حارة حريك – طريق المطار القديم – الإدارات المركزية وغالبية الموظفين. وفي حال انتخاب الشيخ بحسون رئيساً، يُتوقّع أن يستقرّ فيه، أسوة بسابقيه، الإمام محمد مهدي شمس الدين والإمام عبد الأمير قبلان.

وهكذا، يلوح في الأفق سيناريو انقسام جغرافي ـ إداري: رئاسة المجلس في حارة حريك برعاية حركة أمل، ونائب الرئيس في الحازمية برعاية حزب الله، بما يعني عملياً مجلساً واحداً بمقرّين وسلطتين.

تاريخ بلا انتخابات… وجذور الأزمة

تاريخياً، أُجريت أول انتخابات للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عام 1969، حين انتُخب الإمام السيد موسى الصدر رئيساً في 23 أيار من ذلك العام من قبل الهيئة العامة. ثم جرت انتخابات ثانية عام 1975. ومنذ ذلك الحين، غابت الانتخابات الدورية الشاملة، لتحلّ مكانها سياسات التمديد والتجديد.

هذا المسار الطويل من التعطيل هو الذي أوصل المجلس إلى وضعه الراهن من الشلل والفراغ. وهي حالٌ يسعى القانون الجديد، ولو عبر آلية مفصّلة على قياس اللحظة السياسية، إلى وضع حدٍّ لها، حتى وإن كان ذلك على حساب القيم والكفاءة والأهلية الدينية، التي يفتقر إليها معظم الأسماء المطروحة من بين المعمّمين.

ويُستثنى من ذلك مفتي النبطية الشيخ عبد الحسين صادق، الذي جرى استبعاده من الترشّح لرئاسة المجلس من قبل حزب الله بحسب المعلومات المتداولة لأسباب عقائدية. إذ يُعدّ الشيخ صادق من أبرز رجال الدين الشيعة المستقلين والمؤثرين، وغير المؤيدين لعقيدة ولاية الفقيه الإيرانية. وبناءً عليه، يخشى الحزب أن يشكّل هذا النهج الديني العريق، والحائز تاريخيًا على ثقة الجنوبيين، مصدر استعادةٍ لوهجه وتأثيره في البيئة الشيعية، ولا سيما أنه يمثّل التيار المعتدل الذي كان سائدًا قبل هيمنة السلاح والفتاوى والمال على المشهد العام الشيعي.

السابق
إيران اليوم بالفيديو: «البسيج» و«الحرس» في الشوارع والاحتجاج ينتقل للشُرفات.. وتهديد رسمي بـ«حرب شاملة»
التالي
أسرار الصحف المحلية الصادرة يوم الإثنين في 19 كانون الثاني 2026