غادرت مدينة صور الحرب الأخيرة مثقلةً بالخسائر والهزائم التي مُني بها حزب الله نتيجة حروب عبثيّة اختار الانصياع لها تنفيذًا لأجندة إيرانيّة، فدفع معها الشعب اللبناني، وأبناء الجنوب خصوصًا، ثمن الخراب والتهجير وتآكل مقوّمات الحياة.
في صور، يلتزم معظم الأهالي منازلهم. بعضهم يصلّي علّ الحزب يفرج عن تعويضات وُعِد بها، وبعضهم الآخر يرتهن للصمت، يدخل لعبة المكابرة، وينظم قصائد في انتصارات وبطولات وهميّة. في المقابل، تظهر حملات تشجير تنفّذها مؤسّسات معروفة بولائها، تُقدَّم كرشوة إنمائيّة لإسكات من خسروا بيوتهم وأولادهم في خدمة مشاريع خمينيّة–خامنئيّة.
في الشوارع، لا حركة لوسائل النقل ولا وقع لخطوات. فقط في عطلة نهاية الأسبوع، يخرج من يقول: «انظروا إلى زحمة السير في جادّة الرئيس نبيه برّي»—ذلك الخطّ السياحي الذي يضم مطاعم ومقاهي لا يرتادها إلّا المغتربون في الأعياد أو المتموّلون المرتبطون بكارتيلات الثنائي الشيعي.
سياحة للنخبة… ومدينة لأهلها الغائبين
المدينة التي تُسوَّق كوجهة سياحيّة ليست سوى بقعة رفاهيّة لمغتربي الثنائي وبعض الأجانب والمنتفعين. والدليل أنّه من شبه المستحيل أن تجد حضورًا كثيفًا لأبناء صور الأصليّين في مطاعمها ومقاهيها.
ويمكن تقسيم المشهد الصوري اليوم إلى ثلاثة محاور: سلوك الثنائي ومستوى فائض قوّته، الصورة الديمغرافيّة للمدينة، ومفهوم التعايش ومدى واقعيّته.
انكسار أدوات الترهيب
لم يعد الثنائي الشيعي، ولا سيّما حزب الله، قادرًا على فرض «زعرنته» عبر عناصر مسلّحة وميليشيات تعتدي على كل ناشط أو صحافي أو مواطن صوري يختلف معهم سياسيًا، كما حصل سابقًا مع عامر حلاوي والزميل في موقع «جنوبيّة» نبيل مملوك.
في أحدث الوقائع، تعرّض حسين—أحد سكّان صور—لتهديد من رقم يحمل مفتاح دولة الفليبين (+63)، وهي أرقام اعتاد عناصر «غير منضبطين» في الحزب استخدامها لصياغة «حوادث فرديّة» قد تصل أحيانًا إلى القتل. تضمّنت الرسالة تهديدًا مباشرًا بمنعه من مزاولة مهنته في صور والجنوب، وابتزازًا بملفّات وصور مُلفّقة تتّهمه بالتخابر.
لم ينصع حسين للتهديد، وأكّد في حديثه لـ«جنوبيّة» استمراره في رفع السقف والبقاء في أرضه ومحلّه، مواجهةً لبيئة الخراب والقتل.
لمدينة التي تُسوَّق كوجهة سياحيّة ليست سوى بقعة رفاهيّة لمغتربي الثنائي وبعض الأجانب والمنتفعين. والدليل أنّه من شبه المستحيل أن تجد حضورًا كثيفًا لأبناء صور الأصليّين في مطاعمها ومقاهيها.
قياسًا بتجارب معارضين سابقين، تتحدّث نادين عن انكسار هؤلاء «الشبيحة»، مؤكّدةً أنّ انتشارهم في شوارع صور تضاءل، وبات سقفهم محصورًا بتهديدات فايسبوكيّة تُثير السخرية أكثر ممّا تُخيف. تختصر نادين، التي تعرّضت لحملات تخوين وهتك أعراض، واقع الحزب بكلمة واحدة: «انكسرت شوكتهم».
شباب يختفون واقتصاد يُقصي
خلال ثلاثة أشهر فقط، يمكن ملاحظة تراجع واضح في لوجود شريحة الشباب. في المحلّات والمقاهي، يغلب حضور المسنّين والمتقاعدين. السياسة محرّمة في الأحاديث، تُوصَف بأنّها «تقليب للمواجع» و«افتعال للفتن».
هذا الهروب الجماعي من السياسة يُخفي أزمات يوميّة خانقة: انقطاع المياه، ارتفاع اشتراك المولّدات إلى 150 دولارًا لكل خمسة أمبير، واستنسابيّة فاضحة في التوظيف.
يخبرنا خليل، خرّيج محاسبة، أنّه بقي عاطلًا عن العمل سنة كاملة لكونه «غير مسنود» من الثنائي، واضطر للمشاركة في نشاطات تنظّمها حركة أمل وكشّافة الرسالة لنيل وظيفة في أحد المصارف. ويؤكّد جورج أنّه يهادن جمهور الحركة ويحافظ على علاقاته مع مسؤوليها للإبقاء على عمله مقابل 400 دولار، في مدينة تصل فيها الإيجارات إلى 800 دولار، فيما لا يتجاوز متوسّط الأجور 300 دولار.
حارتان… واقعان اجتماعيّان
يتجلّى المشهد الحقيقي لأهالي صور في الحارة «القديمة» وحارة «المسيحيين». في الأولى، ذات الغالبيّة المسلمة، ينتشر الفقر والتسرّب المدرسي، وتندلع اشتباكات متقطّعة بين أصحاب سوابق، قد تمتد إلى عمق المدينة لإلهاء الناس عن مصائبهم.
الهروب الجماعي من السياسة يُخفي أزمات يوميّة خانقة: انقطاع المياه، ارتفاع اشتراك المولّدات إلى 150 دولارًا لكل خمسة أمبير، واستنسابيّة فاضحة في التوظيف.
في الحارة ذات الغالبيّة المسيحيّة، تروي كلودين هواجس أبناء الحيّ: مطلبهم الوحيد «السترة» وحفظ الحقوق. ذاكرة الحرب الأهليّة وتكسير تماثيل السيّدة مريم ومحال الخمرة ما زالت حاضرة. ورغم تحوّل الحيّ إلى بقعة سياحيّة، يفضّل معظم سكّانه البقاء داخله لممارسة نشاطاتهم، بدل الخروج إلى فضاءات المدينة الأوسع.
الصورة المرسومة لصور في الإعلام نقيض واقعها. مدينة أنهكتها الحرب الإسرائيليّة الأخيرة، برزت فيها حركة أمل إنمائيًا وخدماتيًّا، مقابل حزب يواصل بثّ الشعارات والأوهام، ويُغرق بيئته بسرديّات إنكار وأساطير تهاوت مع اغتيال حسن نصرالله وقيادات الصفّ الأوّل في حزب الله.

