في كتابه الصادر حديثاً باللغة العربية عن “دار الجديد” بعنوان “الناصرية ومواريثها”، يعيد الباحث البريطاني والمستشرق أليكس راوول الحقبة الناصرية إلى الواجهة. ينطلق راوول في دراسته من مسارين بحثيين: الأول يسرد المسار الشخصي والذاتي والعسكري للرئيس جمال عبد الناصر، والثاني يرصد امتداد السياسة الناصرية ونفوذها في عدة دول عربية، منها العراق ولبنان وليبيا واليمن.
سعى راوول في كتابه إلى تقديم رؤية معرفية نقدية، نجحت في الخروج من قوقعة “الصورة النمطية” الراسخة في العقل الجمعي حول قدسية الزعيم، محاولاً تفكيك الهالة البطولية التي أحاطت به لعقود.
“بالروح بالدم”: عنوان يحاكي اللاوعي
اختار الكاتب عنواناً لافتاً هو “بالروح بالدم” كإشارة ذكية للاوعي القارئ. هذا العنوان يمهد لسياق بحثي يحاكم التجربة الناصرية بعين واقعية وموضوعية، متجاوزاً الدوافع العاطفية والسياقات التقليدية التي طالما حكمت النظرة إلى تلك المرحلة.
لا يبدأ الكتاب بعبد الناصر كـ “حاكم”، بل كفرد يتشكل وفقاً للأنساق التاريخية التي رسمها الباحث. يركز راوول على خلفية عبد الناصر الاجتماعية والسياسية والثقافية، مؤكداً بصيغة غير مباشرة على امتلاكه “كاريزما” قابلة للنقاش، مع إظهار براعته في اقتناص القيادة وبراغماتيته العالية، لا سيما في تعامله مع الإخوان المسلمين، وقدرته على توظيف الثقافة المستمدة من الدول الاشتراكية في العمل السياسي.
هدم “سردية الصمود” في العدوان الثلاثي
من أبرز ملامح الكتاب، الحديث الجاد والدقيق عن حقبة العدوان الثلاثي عام 1956. هنا، يهدم راوول سردية “الصمود والتصدي” التي رُوّج لها على مدى نصف قرن أمام عدوان فرنسا وبريطانيا وإسرائيل. وبدلاً من ذلك، يشير الباحث إلى ما وصفه بـ “يد إلهية” متمثلة في التدخل الأمريكي، حيث أوعز الرئيس إيزنهاور بوقف إطلاق النار، مما غيّر مسار الأحداث تماماً.
ورغم أن الباحث استهل مسار تكوين شخصية عبد الناصر بسياقات معروفة قد تبدو للبعض غير جذابة لتكرارها في مراجع أخرى، إلا أن العقل التحليلي والنقدي كان حاضراً بقوة، مما أضفى لمسة تجديدية على المادة التاريخية.
أذرع الناصرية: من الوحدة السورية إلى حروب اليمن
لم يتجاهل أليكس راوول السياسة الخارجية الناصرية، بل تعمق في علاقة عبد الناصر مع سوريا وأزمة الوحدة، والعلاقة الشائكة مع العراق ونظام صدام حسين. كما توقف عند حرب اليمن التي كبدت مصر وعبد الناصر خسائر جسيمة، وتطرق إلى التأثير الناصري في ليبيا القذافي، وصولاً إلى لبنان وتحكم الناصرية بالسياسة الداخلية اللبنانية.
يُظهر هذا الشق من الكتاب كيف كان عبد الناصر لاعباً سياسياً براغماتياً ودعائياً بامتياز، بقدر ما كان زعيماً قومياً محاطاً بالشعارات. ولم ينفِ راوول مدى تأثير تلك الشعارات والنبرة الخطابية الشعبوية في حشد الجماهير وصياغة الوجدان العربي.
يشكّل كتاب “الناصرية ومواريثها” حلقة بحثية هامة تعيد النقاش في أكثر المراحل حساسية في التاريخ السياسي العربي المعاصر. إنه دعوة صريحة لإزالة “الهالة” عن الشخصيات العامة، ومحاكمتها وفقاً لمنطق التاريخ ومجرياته، ومقارنة إرثها بالواقع الحالي الذي تعيشه المنطقة.

