مظلة دولية فوق بيروت: لودريان وبن فرحان في مهمة «الساعات الحاسمة» لمؤتمر دعم الجيش

لودريان وبن فرحان

تخرق زيارة الوفود الدبلوماسية رفيعة المستوى جمود المناخ السياسي اللبناني، حيث تحولت العاصمة بيروت إلى خلية نحل ديبلوماسية مع وصول المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان، وتوارد المعلومات عن وصول الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان.

وتأتي هذه التحركات في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، فبينما تتوزع أولويات الداخل اللبناني بين الأزمات المالية والأمنية، تشخص العيون نحو طهران التي تشهد حراكاً شعبياً واسعاً، في وقت تحاول فيه بيروت استعادة قرارها السيادي بعيداً عن نفوذ “الحرس الثوري” الذي طالما اعتبر العاصمة اللبنانية إحدى ركائزه في المنطقة.

توقيت محسوب ودلالات تقرير الجيش

كشف مصدر دبلوماسي لصحيفة “نداء الوطن” أن حركة الموفدين الحالية لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت ضمن “توقيت محسوب بدقة”. وكان من المقرر وصول لودريان وبن فرحان الأسبوع الماضي، إلا أن الطرفين فضلا التريث لحين إنجاز محطة مفصلية؛ تمثلت في تقديم قيادة الجيش اللبناني تقريرها الرسمي إلى مجلس الوزراء حول المرحلة الأولى من خطة “حصر السلاح” جنوب نهر الليطاني.

إقرأ أيضا: بين فقر الجنوب وأوهام الإمبراطورية: علي الأمين يتحدى «الحزب» باستطلاع رأي.. الغالبية تريد الدولة وتكفر بـ «ولاية الفقيه»!

هذا التقرير، الذي ثبت بالوقائع الميدانية ما تحقق من إنجازات أمنية، وفر لفرنسا والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة “أرضية صلبة” للانطلاق نحو النقاش السياسي والدبلوماسي الأعمق. فبدون هذا التقرير، لم يكن بالإمكان إقناع المجتمع الدولي بجدية الدولة اللبنانية في بسط سيادتها، خاصة وأن المرحلة المقبلة تتطلب دعماً لوجستياً ومالياً ضخماً للمؤسسة العسكرية.

مؤتمر باريس: مقاربة أمنية شاملة

أفادت المصادر بأن لودريان يحمل في حقيبته ملف “مؤتمر دعم الجيش والقوى الأمنية”، المزمع عقده في باريس أواخر شباط أو مطلع آذار المقبل. والمفاجأة في هذا المؤتمر تكمن في توسيع مظلته؛ إذ لن يقتصر الدعم على الجيش فحسب، بل سيشمل مؤسسة قوى الأمن الداخلي بشكل جوهري.

تستند هذه المقاربة الدولية إلى رؤية تعتبر أن نجاح الجيش في مهامه السيادية (حماية الحدود، حصر السلاح، ومحاربة الإرهاب) يتطلب تفرغاً كاملاً، مما يفرض إعادة مسؤولية “حفظ الأمن الداخلي” تدريجياً إلى المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي. وهذا يعني عملياً البدء في طي صفحة القرار المتخذ في أوائل التسعينيات، الذي أناط بالجيش مهام الأمن الداخلي في ظروف استثنائية طالت لعقود.

المهل الزمنية.. “الوضوح أو المجازفة”

رغم التفاهم الفرنسي التاريخي للخصوصية اللبنانية والتوازنات الطائفية المعقدة، إلا أن لودريان يحمل رسالة “حازمة” هذه المرة. باريس ستبلغ السلطة اللبنانية أن “الضبابية لم تعد خياراً متاحاً”. فنجاح مؤتمر المانحين يرتبط شرطياً بـ “حسم المهل وتحديد الجداول الزمنية” لتنفيذ الخطط الأمنية والإصلاحية. وكما أكد السفير الأميركي ميشال عيسى، فإن “المهل هي الأهم”، وغياب التزام لبناني بجدول زمني واضح قد يحرج فرنسا أمام المانحين الدوليين ويجازف بمصير حزم الدعم المالية المقررة للمؤسسات العسكرية والأمنية.

اجتماع “ثلاثي” مرتقب ومصير “الميكانيزم”

على صعيد التحركات الميدانية، من المرجح أن يتحول لقاء لودريان بالسفير الأميركي والأمير يزيد بن فرحان إلى “اجتماع ثلاثي” رفيع المستوى لتنسيق المواقف قبل التوجه للقاء القيادات اللبنانية. أما بخصوص “لجنة الميكانيزم”، فالمعلومات تشير إلى احتمال انعقاد اجتماعها غداً الخميس (نظراً لمصادفة موعدها الدوري يوم السبت مع عطلة في إسرائيل). وسيحضر السفير سيمون كرم عن الجانب اللبناني، بينما لا يزال غياب المندوبة الأميركية مورغان أورتاغوس والجنرال الأميركي (الموجود في واشنطن) يثير تساؤلات حول مستوى التمثيل الأميركي، مع احتمال حضور السفير ميشال عيسى كبديل لضمان استمرارية الزخم السياسي للجنة.

نحو المرحلة الثانية: شمال الليطاني والفجوة المالية

لا تقتصر مهمة لودريان على الجانب الأمني، بل تتعداها إلى الملفات الإصلاحية المعقدة. سيبحث الموفد الفرنسي ضرورة إقرار “قانون الفجوة المالية” كجزء من خطة التعافي الاقتصادي. أما عسكرياً، فالتحدي الأكبر يكمن في التحضير للمرحلة الثانية من حصر السلاح في منطقة “شمال الليطاني”. هذه المنطقة، بمساحتها الواسعة وتعقيداتها الجغرافية، تتطلب عتاداً ونوعية سلاح ودعماً لوجستياً يفوق ما تطلبه الجنوب، وهو ما سيكون محور النقاش التقني بين لودريان وقائد الجيش العماد جوزيف عون.

إقرأ أيضا: حزب الله بين «البيانات المليونية» و«حرب الإسناد» الانتحارية: هل تطلق طهران «ساعة الصفر» من جنوب لبنان؟

ويبدو أن المجتمع الدولي قرر رفع مستوى تمثيله في لبنان من “سفراء” إلى “مندوبين رسميين”، وهو ما يعكس وصول التحضيرات لمؤتمر الدعم إلى خواتيمها. الرسالة الدولية واضحة: “لقد حان وقت دعم الجيش بعد الإنجازات المحققة، لكن على السلطة اللبنانية أن تلاقي هذا الدعم بوضوح سياسي، والتزام بالمهل، وشجاعة في تنفيذ الإصلاحات”.

السابق
بين فقر الجنوب وأوهام الإمبراطورية: علي الأمين يتحدى «الحزب» باستطلاع رأي.. الغالبية تريد الدولة وتكفر بـ «ولاية الفقيه»!
التالي
أسرار الصحف المحلية الصادرة اليوم الأربعاء 14 كانون الثاني 2026