لم يقتصر الإفلاس في الجمهورية الإسلامية الإيرانية على البنوك وشركات المشاريع الإسكانية وصناديق الادخار التي انهارت تباعًا خلال العقدين الأخيرين، بل طال جوهر المشروع السياسي نفسه، أي ما سُمّي بـ«نموذج الحكومة الإسلامية الخمينية»، الذي قدّم نفسه منذ عام 1979 بوصفه مشروعًا حضاريًا يشق طريقًا ثالثًا بين الرأسمالية الاحتكارية والاشتراكية الشمولية، ويحقق الخلاص الاجتماعي، ويشكّل انتصارًا للمستضعفين، وثورة معدّة لتصدير نموذجها إلى دول أخرى، وبديلًا أخلاقيًا عن الدولة الريعية التابعة للنظام الرأسمالي العالمي.
غير أن هذا النموذج، بعد أكثر من أربعة عقود، يظهر اليوم وقد استنفد سرديته، وتآكلت شرعيته، وانكشف عجزه البنيوي عن تحقيق وعوده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
الفقر.. الإدمان.. وتفكك العقد الاجتماعي
تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وتقارير البنك الدولي حول إيران إلى اتساع غير مسبوق لرقعة الفقر، إذ يُقدَّر عدد الإيرانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر بما لا يقل عن 16 مليون مواطن (من أصل 80 مليون إيراني)، مع تسجيل تراجع واضح في مؤشرات العدالة الاجتماعية منذ عام 2018، ولا سيما بعد تشديد العقوبات الدولية. ويوازي ذلك تفاقم ظاهرة الإدمان، حيث يقدّر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) عدد مدمني المخدرات في إيران بنحو 1.5 مليون شخص، ما يجعل إيران من أعلى الدول نسبةً إلى عدد السكان في هذه الظاهرة.
وقد أدار نظام الملالي ظهره لكوارث طبيعية مدمّرة، حيث تُرك عشرات الآلاف من المنكوبين من دون إغاثة فعّالة، فيما تراجعت خدمات الكهرباء وندرت مياه الشفة للمنازل في العاصمة طهران، في مقابل تصاعد ظواهر خطيرة كبيع الأطفال، والاتجار بالأعضاء البشرية، وتوسّع الدعارة القسرية. كما تتحدث تقارير داخلية وإعلامية، معززة ببيانات أممية، عن مئات آلاف المشرّدين والخارجين عن القانون، وكلها مؤشرات على تآكل العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، وتفكك شبكات الرعاية.
تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وتقارير البنك الدولي حول إيران إلى اتساع غير مسبوق لرقعة الفقر، إذ يُقدَّر عدد الإيرانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر بما لا يقل عن 16 مليون مواطن (من أصل 80 مليون إيراني)
هجرة العقول واستنزاف رأس المال البشري
إلى جانب ذلك، سجّلت إيران واحدة من أكبر موجات هجرة الكفاءات في الشرق الأوسط. فوفق تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، غادر عشرات آلاف الأطباء والمهندسين والأكاديميين الإيرانيين البلاد خلال العقد الماضي، ما أدّى إلى خسارة رأس مال بشري يُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات سنويًا، وقد أضعف هذا الأمر القدرة البنيوية للاقتصاد الإيراني على التعافي.
احتكار الثروة واقتصاد الريع العسكري
اقتصاديًا، يبرز الفشل البنيوي للنظام بوضوح في طبيعة إدارة الثروة العامة. فوفق تقارير بحثية غربية وإيرانية متقاطعة، تسيطر مؤسسة المرشد الأعلى على أصول مالية تُقدَّر بنحو 90 إلى 95 مليار دولار عبر شبكات من الأوقاف والشركات غير الخاضعة للرقابة البرلمانية أو القضائية أو المساءلة المحاسبية.
في المقابل، تشير تقديرات صندوق النقد الدولي (IMF) ودراسات اقتصادية مستقلة إلى أن الحرس الثوري يهيمن على ما يقارب 40% من الاقتصاد الإيراني، بما يشمل قطاعات النفط والغاز والبناء والموانئ والاتصالات. وقد أدّى هذا الاحتكار إلى خنق القطاع الخاص، وتعطيل المنافسة، وتكريس اقتصاد ريعي–عسكري عاجز عن خلق فرص العمل أو جذب الاستثمارات الداخلية والخارجية.
وتُظهر بيانات البنك الدولي وIMF أن التضخم في إيران تجاوز في بعض السنوات عتبة 40%، فيما فقد الريال الإيراني أكثر من 80% من قيمته خلال أقل من عقد، ما أدّى إلى تآكل القدرة الشرائية للطبقة الوسطى، وانزلاق شرائح واسعة منها نحو الفقر. كما فشل النظام في معالجة أزمتي السكن والبطالة، رغم الموارد النفطية الضخمة، في وقت وثّقت فيه تقارير أممية تقاعس الدولة عن الاستجابة الكافية للكوارث الطبيعية، ولا سيما الزلازل، تاركة ملايين الإيرانيين في مدن الصفيح من دون حماية اجتماعية حقيقية.
تشير تقديرات صندوق النقد الدولي (IMF) ودراسات اقتصادية مستقلة إلى أن الحرس الثوري يهيمن على ما يقارب 40% من الاقتصاد الإيراني، بما يشمل قطاعات النفط والغاز والبناء والموانئ والاتصالات.
النفوذ الإقليمي… من التدخل إلى النهب المنظّم
إقليميًا، لم يقتصر دور نظام ولاية الفقيه على التدخل السياسي، بل تحوّل إلى فاعل مركزي في عمليات نهب منظّم لدول منهكة. ففي العراق، تشير تقديرات برلمانية وتقارير رقابية دولية إلى أن حجم الأموال المهدورة أو المنهوبة منذ عام 2003 تجاوز 800 مليار دولار، وقد لعبت شبكات مرتبطة بإيران، ولا سيما بفيلق القدس، وخاصة أحزاب الإسلام السياسي الشيعية، دورًا أساسيًا في هذا الاستنزاف، سواء عبر العقود الوهمية، أو السيطرة على المعابر والطاقة، وعمليات غسل الأموال وتهريبها، وتزوير صفقات الاستيراد والتجارة. كما وثّقت تقارير صحافية دولية عمليات تهريب واسعة للنفط العراقي، خصوصًا من البصرة، ضمن شبكات إقليمية عابرة للحدود.
أما في سورية، فقد وثّقت تقارير الأمم المتحدة والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) أن الحرب المستمرة منذ أكثر من 14 عامًا أدّت إلى مقتل مئات آلاف المدنيين، وتهجير نحو 6 ملايين لاجئ خارج البلاد، إضافة إلى ملايين النازحين داخليًا. وقد كان النظام الإيراني شريكًا مباشرًا في إدارة هذه الحرب، سياسيًا وعسكريًا، بعد إشراك روسيا فيها، والمساهمة في تدمير واسع للعمران والمدن التاريخية، ضمن سردية دولية صوّرت مناطق كاملة لأهل السنّة بوصفها «حاضنة للإرهاب».
لم يقتصر دور نظام ولاية الفقيه على التدخل السياسي، بل تحوّل إلى فاعل مركزي في عمليات نهب منظّم لدول منهكة
أزمة النظام… ثلاثة مسارات متقاطعة
اليوم، يواجه نظام ولاية الفقيه أزمة مركّبة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات:
الأول؛ اقتصادي، حيث تؤكد تقارير IMF أن الانكماش والتضخم والبطالة باتت تضرب حتى الطبقات التي شكّلت تاريخيًا قاعدة النظام، ولا سيما تجّار البازار.
الثاني؛ اجتماعي–سياسي، يتمثّل في انتقال الاحتجاجات إلى مدن ذات غالبية فارسية، ما يحدّ من قدرة النظام على استخدام القمع الواسع من دون كلفة سياسية داخلية، يمكن أن تتلازم مع تدخل خارجي، ولا سيما بعد تحذيرات الرئيس الأميركي ترامب للنظام الإيراني من استعمال العنف لقتل المتظاهرين.
أما الثالث؛ فهو تفكك منظومة النفوذ الإقليمي، وتراجع فعالية ما سُمّي بـ«محور الممانعة»، وانهيار حلفاء طهران في غزة، وسورية، ولبنان، واليمن، وصولًا إلى الضربات التي طالت البرنامج النووي، والهزائم العسكرية أمام إسرائيل، كما وثّقت تقارير استراتيجية غربية متعددة.
سقوط النموذج… ولو تأخر سقوط النظام
قد لا يسقط نظام المرشد اليوم، لا لأنه جدّد شرعيته، ولا لأنه أنجز وعوده الاجتماعية، ولا لأنه بنى نموذجًا اقتصاديًا بديلًا، بل لأنه ما زال يمتلك جهازًا أمنيًا شديد القسوة، ومؤسسة دينية قادرة على التعبئة.
غير أن هذا الاستمرار بات استمرارًا استبداديًا صرفًا، شرعيته في القهر لا في الرضا، وفي البطش لا في القبول، ما يجعل سقوط النموذج حقيقة ناجزة، حتى وإن تأخر سقوط النظام نفسه.

