السنة الجديدة: بين عرافي المستقبل وصانعيه

وجيه قانصو

تابعتُ قبل شهر من نهاية العام الماضي نقاشاتٍ مستفيضة حول الذكاء الاصطناعي وأثره على مستقبل الإنسانية. ورغم تفاوت الآراء حول درجة خطورة هذا المعطى الجديد على الوجود الإنساني، إلا أن الجميع اتفقوا على أن الذكاء الاصطناعي لن يكتفي بأن يكون أرضية ناظمة للوجود الإنساني، وإنما منطلقًا لظهور أشكال حياة جديدة تتجاوز الإنسان نفسه. فإذا كان الإنسان ثمرة تطور بيولوجي امتد لمليارات السنين، فإن الذكاء الاصطناعي سينتج، خلال عقود قليلة، أنماط حياة متحررة من قيود وبطء التحول البيولوجي، وسيكون قادرًا على صنع وابتكار نظام تطور خاص، تعادل الثانية فيه ملايين السنين مما ينجزه قانون التطور الطبيعي. وتصل درجة الخطأ والفشل فيه إلى الصفر بالقياس إلى قانون الانتقاء الطبيعي الذي يقوم أساسًا على التعلم من تجارب الفشل والخطأ.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد يُصمَّم ليتعلم من الأخطاء بل ليتعلم ألّا يُخطئ، ولم يعد يُصمَّم ليتكيف مع المتغيرات بل ليملك القدرة على استباق هذه المتغيرات والتحكم بها، ولم تعد مهامه مقتصرة على التعامل مع محيط متقلب، بل بات مجهزًا ومهيأً لخلق محيطه وتعديله وتحويله باستمرار.

من الخيال العلمي إلى الحقيقة العلمية

هذا التصور كان، قبل نصف قرن، يُصنَّف ضمن شطحات الخيال العلمي، لكنه الآن بات حقيقة علمية مؤكدة. لم يختلف المتباحثون حول إمكانية تحققه، وإنما حول الفترة الزمنية اللازمة لذلك، حيث تفاوتت التقديرات بين عقد من الزمن ومائة عام.

تبيّن أن هذه النقاشات لم تكن حول موضوع تكنولوجي أو ما يحمله من مخاطر على مستقبل البشرية، وإنما حول صناعة مستقبل البشرية بأسره، وتصميم صورة العالم القادم تصميمًا محكمًا، وحول الجهوزية التامة للتعامل باقتدار مع كل الاحتمالات الممكنة، وتحويل التجارب السابقة والراهنة إلى قوة دفع واثقة وأرضية تُبصر إلى الأمام. حول إزاحة كل صدفة أو مفاجأة وإدخالها في دائرة المتوقع والمحتمل. فإذا كان الحاضر ثمرة ما فكرنا فيه في السابق، فإن المستقبل سيكون ثمرة ما نفكر فيه ونبتكره ونمارسه في الحاضر. هكذا يتم استشراف المستقبل وما سيحصل فيه، وهكذا يتم توديع العام واستقبال عام جديد.

الذكاء الاصطناعي سينتج، خلال عقود قليلة، أنماط حياة متحررة من قيود وبطء التحول البيولوجي، وسيكون قادرًا على صنع وابتكار نظام تطور خاص، تعادل الثانية فيه ملايين السنين مما ينجزه قانون التطور الطبيعي.

الضفة الأخرى: القلق بدل التخطيط

على المقلب الآخر من هذا العالم، نستقبل نحن عامنا الجديد بجزع وقلق ولا يقين. تهديدات بالحرب تصلنا بلا توقف، لا نملك الرد عليها أو منعها، ولا توقعها أو القدرة على إدارتها فيما لو حصلت. كمٌّ هائل من الملفات العالقة يجعل التعافي كسير السلحفاة. انسدادات سياسية بالجملة، وجمود في صناعة القرار، وتعثر في تنفيذ ما قُرِّر.

الماضي كارثي، والحاضر مُعطَّل، والمستقبل قدرٌ مجهول وصُدفٌ تتلاعب بنا، كما لو كانت مصائرنا محكومة برمية نرد عشوائية. مستقبل يخرجنا من نفق ويدخلنا في نفق آخر، نجهل تعرجاته والتواءاته وأهواله وانفراجاته، خيره وشره. مستقبل يأتينا ويُقبل إلينا من تلقاء ذاته ورغمًا عنا، نخاف مما سيحمله وما يخبئه، سره غامض أشبه بصندوق السحرة وعصا المشعوذين.

العرافون بدل صانعي المصير

يتسمّر بعضُنا أمام العرافين، ويبحث البعض الآخر عن إنذارات نبي أو توقعات ولي أو إخبار عرّاف أو حكاية ساحر. نلوذ بهم جميعًا، لعلهم يبددون ضباب المجهول الآتي، ولعل نبوءاتهم تحمل قبسًا من نور أو خبر يقين عما نحن ذاهبون إليه. نبحث عبرهم عن مستقبل جاهز ومصنوع سلفًا، عن غيب يُسيّر الأقدار ويعدلها، عن قدر مبرم، عن عناية (واقعية أو وهمية لا فرق) تتفوق علينا، نُسلِّمها ناصيتنا باطمئنان وطواعية.

نعرف رياء أكثر من نسمعهم ونقرأهم، ورغم ذلك تستهوينا أحاديثهم ونبوءاتهم، ففي كلامهم فعل السحر الذي يريح ضمائرنا من ذنب التقصير، ويغوي عقولنا بالاستقالة من التفكير بمصائرنا، ويهب إرادتنا العذر في تخليها الكسول عن المبادرة والاختيار.

يتسمّر بعضُنا أمام العرافين، ويبحث البعض الآخر عن إنذارات نبي أو توقعات ولي أو إخبار عرّاف أو حكاية ساحر. نلوذ بهم جميعًا، لعلهم يبددون ضباب المجهول الآتي

حين يتوقف التاريخ عن الجريان

هكذا نستقبل أيامنا وسنينا. لا لأن الأمم «تكالبت علينا» بحسب الرواية، بل لأن «الدهر نادى بالانحطاط فسارع الناس إلى الاستجابة» بحسب تعبير ابن خلدون. وبعبارة زماننا، لأن التاريخ أوقف تدفقه وسيلانه، فصار مجرد حكايا للعجائز وقصص العجائب وأرض المعجزات.

لا لأن الزمن غدر بنا، بل لأننا أخرجناه من حساباتنا، فتوقفت عقاربه وتشظّت وجهته، وانفصلت الأحداث والأشياء عن أسبابها وموجباتها ومآلاتها. فبات بإمكان الأمور أن تجري من دون مقدماتها الطبيعية، ولأي فكرة أن تكتسب صحتها من دون شروطها المنطقية، وللحاضر أن يصير ماضيًا، وللماضي أن ينقلب مستقبلًا.

بين مستقبل يصنعه عقل مبدع وإرادة مُصمَّمة من جهة، ومستقبل يزفه إلينا الكهنة والمنجمون من جهة أخرى، لا نقف عند درجات متفاوتة من التقدم والتأخر أو الحرية والعبودية، وإنما على مفترق نوعي من مستوى وجود ونمط حياة.

السابق
5 أسباب لحرب الولايات المتحدة على فنزويلا… والنفط واحد!
التالي
قيادة الجيش: تدابير استثنائية أسفرت عن توقيف 9 مواطنين و35 سوريًّا