لا تخوض الجماعة الإسلامية في لبنان الاستحقاق النيابي المقبل بوصفه منافسة ديموقراطية طبيعية، بل بوصفه امتحان بقاء داخل نظام إقليمي–دولي حسم أمره سلفاً، وقرّر أن الإسلام السني السياسي خطر يجب استئصاله، لا تياراً يمكن التعايش معه أو إدماجه. فما يجري لا يندرج في خانة التضييق الظرفي، بل في إطار عملية إقصاء منظمة، بدأت بإسقاط جماعة الإخوان المسلمين في مصر، ثم تحولت مع صعود دونالد ترامب إلى حرب معلنة، قبل أن تُستكمل عربياً عبر إعادة هندسة مفهوم «الإسلام المقبول» سياسياً.
ترامب: من الاحتواء إلى الشطب
لم يكن دونالد ترامب رئيساً عادياً في هذا المسار، بل مثّل رأس الحربة فيه. فبإعلانه العداء الصريح للإخوان المسلمين، ومحاولته تصنيفهم تنظيماً إرهابياً، منح الغطاء السياسي والأخلاقي لأنظمة إقليمية كي تنتقل من سياسة الاحتواء والمراقبة إلى سياسة الشطب والإلغاء. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الإسلام السني السياسي يُقدَّم بوصفه مشكلة أمنية مزعومة، بل جريمة سياسية قائمة بذاتها، يُفترض اجتثاثها لا تنظيمها.
من واشنطن إلى الرياض: إعادة تصنيع الإسلام
الخطر لم يكن فقط في الحرب على التنظيمات، بل في ما هو أعمق: إعادة تعريف الإسلام السني بما يخدم الاستقرار السلطوي لا الإرادة الشعبية. في هذا السياق، يتجه النظام السعودي الجديد، بدعم دولي واضح، إلى تبنّي الصوفية والأشعرية بوصفهما «الإسلام الآمن» و«الإسلام غير المزعج». لا لأنهما مدارس عقدية بحد ذاتهما، بل لأنهما منزوعتان من السياسة، لا تنتجان تنظيماً، ولا تطرحان أسئلة السلطة أو التمثيل أو الرأي العام، ويجري توظيفهما لإلهاء المجتمع في نقاشات دينية شكلية وحضرات روحية لا تمس جوهر الشأن العام.
هكذا، لم تعد المشكلة في التطرف أو العنف، بل في التنظيم ذاته. ولم يعد الخطر في السلاح، بل في أي إسلام سني يمتلك بنية سياسية، وقدرة على الحشد، وخطاباً يتجاوز الوعظ إلى المجال العام.
الجماعة الإسلامية: ضحية الهوية لا الممارسة
ضمن هذه المعادلة، وُضعت الجماعة الإسلامية في لبنان في خانة «المتهم الدائم»، لا بسبب خطابها أو سلوكها أو تجربتها، بل بسبب هويتها. فلا أحد يناقش برامجها، ولا تاريخها، ولا خصوصية مسارها اللبناني. الاسم وحده كافٍ لإصدار الحكم.
وهكذا، تُعامَل الجماعة بوصفها امتداداً لكيان تقرر إقليمياً شطبه، ويُطلب منها أن تدفع ثمن حرب لم تخضها، وقرارات لم تتخذها، وصراعات صيغت خارج الحدود اللبنانية.
إقصاء ممنهج لا تنافس انتخابي
ما يجري ليس منافسة سياسية، بل عملية إعدام بطيئة: لا غطاء إقليميا ًولا تسامح دولياً، ولا جرأة محلية على الدفاع.
بل أكثر من ذلك، تُوجَّه رسائل مباشرة وغير مباشرة إلى الحلفاء مفادها أن أي اقتراب من الجماعة «محرج» و«مكلف». وحتى الدولة اللبنانية، بصمتها، تشارك في هذا المسار، وكأن الإقصاء قدر لا يُسأل ولا يُناقش.
انتخابات بشروط المنتصر
في هذا المناخ، تُجبر الجماعة الإسلامية في لبنان على خوض الانتخابات بشروط مهينة: خففوا خطابكم، أخفوا اسمكم، لا تشكلوا لوائح واضحة، ولا ترفعوا سقفاً سياسياً. وهذه ليست نصائح انتخابية، بل تعليمات غير مكتوبة صادرة عن ميزان قوى حسم مسبقاً من يُسمح له بالتمثيل ومن يُدفع إلى الهامش.
سياسة الحد الأدنى: إدارة الخسارة لا خوض المعركة
وحين تعتمد الجماعة سياسة الحد الأدنى، فهي لا تناور ولا تخطط، بل تُدار خسارتها. فالمشاركة الانتقائية، والتحالفات الرمادية، والخطاب المعيشي البارد، ليست خيارات استراتيجية، بل محاولات يائسة لتفادي الإقصاء الكامل داخل نظام لا يعترف بشرعيتها أصلاً.
حتى التحالفات باتت مشروطة بالإنكار: تُستدعى أصوات الجماعة عند الحاجة، ويُطلب منها التواري عند الإعلان. يُراد لها أن تكون رقماً بلا هوية، وصوتاً بلا اسم، وحضوراً بلا صورة. وهذا ليس خللاً عابراً في التحالفات، بل نتيجة مباشرة لحرب جعلت الانتماء إلى الإسلام السني السياسي وصمة سياسية.
شطب سياسي متعدد المستويات
ما تواجهه الجماعة الإسلامية في لبنان ليس استحقاقاً نيابياً عادياً، بل مشروع شطب سياسي تقوده واشنطن التي شرعنت الحرب، وأنظمة إقليمية نفذتها، وسعودية جديدة تعيد تشكيل «الإسلام المسموح» بما يخدم السلطة لا المجتمع.
في هذا السياق، يصبح أي مقعد نيابي يُنتزع إنجازاً استثنائياً، لا لأنه يعكس قوة الجماعة، بل لأنه يتحقق رغم حرب متعددة المستويات، بدأت بقرار سياسي من البيت الأبيض، وتُستكمل اليوم عبر صناديق اقتراع مضبوطة السقف في بيروت.

