ثمة واقع سياسي والتزامات تجاه المودعين والجهات الدولية المانحة، ولا سيما صندوق النقد الدولي، فرضت على الحكومة اللبنانية أن تستعجل في نقاش وإقرار مشروع قانون الفجوة المالية، ومن ثم رميه في مرمى المجلس النيابي ضمن القوانين الإصلاحية التي من المفترض أن تُنهيها على عجل للسير بالاتفاق مع الصندوق.
بين الاستحقاق الدولي والعدالة المؤجّلة
هذا من جهة، ومن جهة ثانية لا يمكن لأي مشروع قانون أن يحقق العدالة التي تأخرت لما يقارب ست سنوات على انفجار الأزمة المالية دون معالجة، والتي لعبت فيها المصارف والحكومات المتعاقبة، بما فيها مصرف لبنان، دورًا أساسيًا في استنزاف حقوق المودعين، حيث ذاب بعضها على نار التجاذبات وتبخر على مدى ست سنوات كاملة أكلت حقوق المودعين الصغار، ولا سيما تلك الودائع التي تقل عن مئة ألف دولار. وفي ذلك، برهنت السنوات عن تكافل وتضامن بين مافيا المصارف ومافيا السلطة الحاكمة التي نهبت المال العام، وهو حق من حقوق المودعين، دون النظر إلى أحوالهم، وهم يُشكلون نسبة 85 بالمئة من الودائع والمودعين الصغار.
تحالف المصارف والسلطة: دفاع متأخر عن حقوق منهوبة
لهذا، وبعد كل سنوات المماطلة، ما إن أعلن رئيس الحكومة عن ولادة المشروع حتى انبرى الكثيرون للدفاع عن حقوق المودعين، بما فيهم جمعية المصارف، والتي استفادت من الفوائد العالية التي كان يدفعها مصرف لبنان في الفترة التي سبقت الانهيار المالي، والذين جنوا الأرباح الطائلة وقد وزعوها على المستثمرين في المصارف على أساس أنها أرباح، والكثير منها تم تحويله إلى حسابات في الخارج. عدا عن مشاركة الطبقة السياسية الحالية والمستمرة في النهب المنظم للمال العام فيما سُمّي أدوات الدعم، والتي ذهب الجزء الأكبر منها إلى التهريب إلى سوريا إبان النظام البائد، حيث كان مصرف لبنان المركزي يُعتبر مصرف لبنان وسوريا، من حيث تهريب كل أنواع الواردات بما فيها المحروقات إلى النظام السوري القديم، والذي كان يعيش فقط على تهريب الممنوعات، ويشاركه في ذلك حزب الله وحلفاؤه ممن كانوا ولا زالوا، إلى حدٍ ما، يحكمون لبنان.
ثغرات القانون ومسؤولية الدولة الغائبة
لذا، وبناءً على ما التزمت به الحكومة اللبنانية الحالية، عملت على إنجاز مشروع القانون الحالي، على الرغم من أنه بالطبع لا يرقى إلى مستوى الكمال في إعادة الودائع، كما في ضرورة محاسبة المرتكبين من جماعة مافيا السلطة، والذين بغالبيتهم استفادوا من تحويل أموالهم إلى الخارج، كما فعل أعضاء مجالس إدارة المصارف والمستثمرون منهم، وهم أيضًا جزء من مافيا السلطة السياسية وما تملكه من حقوق في المصارف، والذي من المفترض أن يكونوا ضنينين بالحفاظ على حقوق وأموال المودعين اللبنانيين، والذين يُشكلون جماهير الطبقة السياسية التي تتجدد باستمرار نتيجة انتخاب المواطنين، ومنهم المودعون، في كل استحقاق انتخابي.
ويظهر جليًا أن مشروع القانون يُعفي الدولة من واجباتها في استعادة التوازن من خلال إعادة رسملة مصرف لبنان وفقًا للمادة 131 من قانون النقد والتسليف، خصوصًا بعد اعتراف الدولة بنسبة الدين عليها لمصرف لبنان، والبالغ 16.5 مليار دولار، وإن زيدت عليها نسبة الفوائد قد تصل لما يُقارب العشرين مليار دولار. وهذا الأمر يُرتب على الدولة مسؤوليات تحاول التهرب منها، وبالتالي تقع على المصارف العاملة العبء الأكبر في استعادة حقوق المودعين خلال الأربع سنوات القادمة، والتي أيضًا تحمل صفة الغموض في كيفية توفير الأموال اللازمة لهذه المهمة.
إذًا، مشروع قانون الفجوة المالية لا يصل إلى درجة الكمال المرجوة منه في إعادة كامل الحقوق للمواطنين اللبنانيين بصفتهم مودعين في المصارف التجارية، والتي أهملت مشروعية الحفاظ على هذه الحقوق، وتُعتبر شريكة مع مافيا السلطة في هدر المال العام من خلال سياسة النهب المنظم لموارد الدولة عبر سياسة الصرف العشوائية، والتي لا يزال البعض منها يُمارس حتى يومنا الحالي، خصوصًا من خلال الإبقاء على مزاريب الهدر التي لا تزال سارية المفعول في مجالس ومؤسسات أثبتت فشلها وعدم صلاحياتها، فقط لأنها تدر أموالًا على بعض أفراد السلطة الحاكمة وتستهدف تعزيز قبضتها على الدولة اللبنانية، والتي من المفترض على أي حكومة مكافحتها وإقفالها ووضع نهاية لوجودها.
خلاصة الأمر، مشروع القانون هو خطوة كان لا بد منها للبدء في الخروج من الأزمة، والبدء بالنهوض وإصلاح بعض الأمور الضرورية بعد ست سنوات من التخبط في الأزمة التي استفحلت واستنزفت حقوق المودعين، دون فعل أي شيء يُذكر سوى التباكي على حقوق المواطنين في كل مرة يُطرح فيها مشروع قانون للبدء بالإصلاح.

