سيادة التراب الأزلي: في جوهر التمرد الذي نبت من الجذور

ليست الحقيقة صرخة عابرة تُطلق في قاعات القرار المترفة، بل هي همسة تتشرّب بمسام الأرض، لا يسمعها إلا من أرهفته التجارب وأيقظته وحشة القرون. إن تدبيرَ البيتِ بيدِ أهلهِ لم يكن يومًا مجرد نظرية صيغت بحبر الفلاسفة في حواضر الضجيج، بل هو فعل وجودي جذري، تُمارسه القرى والأرياف، ونظام حياة بُني على الفطرة السليمة وصرامة حكمة المِعول الذي يكسر صخرة العيش. في الريف، لا يُوزن العدل بنصٍ قانوني مَسنون، بل بميزان الساقية المُقتسَم بوعي فطري؛ فقرار شقّ الطرقات وتأهيل ينابيع الماء هو الإعلان الصريح للسيادة على المورد، وإقرار بأن مصير العطش والري مرهون بالإرادة الجماعية الراسخة لا بصدقات المركزية العابرة. هنا، يرتقي إعمار الدور وترميمها إلى منزلة الضمان الاجتماعي غير المُدوَّن، وتتحول طقوس الأفراح والأحزان إلى ممارسة للولاية الوجدانية، حيث تتولى الأمة، في أصغر تجلياتها، إدارة مسرّاتها وأزماتها بنظام متأصل، يرفض الخضوع لتقلبات السوق العشوائية أو جمود القرار الرسمي الفوقي.

عبّا في مواجهة الفصول السوداء: صمود بفطرة الأرض وحكمتها

لم تكن القرارات المصيرية في القرى وليدة حظ عابر أو صدفة رخوة، بل كانت ثمرة عقل اعتاد أن يتنفس الصورة الكاملة، وأن يوازن بدقة بين ثقل الوقت ومرارة المخاطر، وبين حلاوة الثمرة في نهاية المدى. بهذا الوعي، واجهت بلدة “عبا” فصولًا قاسية من التاريخ، حين سُجّل في أرشيفها بدموع الحزن واليأس. لقد اشتدت قسوة الأزمة المعيشية، ورفع الجفاف سيفه على النهر، بينما كانت يد السلطان العثماني تجرّ شبابها إلى حرب عالمية أعلنت عن وحشيتها بلا دين ولا إنسانية. وبينما كانت أخبار الدمار تتدفق من مذياع وحيد، اجتاحت جحافل الجراد الأخضر واليابس، ليصير المشهد لوحة سوداء عنوانها اليأس المتسلل إلى العقول قبل البيوت.

وما كادت البلاد تلتقط أنفاسها من نهم الجراد وشرهه، حتى انقض وباء الكوليرا بفظاعته القاتلة، فصار الوباء يفتك بهم، والأمراض القاسية ترمي الناس على الأرصفة. في ذلك المنعطف القاسي، حين حاصرهم الجيش خوفًا من العدوى وتركهم لمصير مجهول، لم تكن النجاة محض مصادفة، بل كانت قرارًا واعيًا بالتكاتف والتقنين، صمدت به البلدة شهرًا كاملًا، لأن اتجاهها لم يكن نحو السرعة العابرة، بل نحو العمق الوجودي الذي غذّته حكمة الأرض.

لم تكن تلك الضربة هي الأخيرة. ففي أوائل الأربعينات من القرن الماضي، عاد شبح الوباء ليطرق الأبواب في ثوب الجدري. وتكرر المشهد القاسي، حيث منعت السلطات الدخول والخروج، ليموت عدد من الأبناء في صمت العزل. مرة أخرى، كانت الحماية تكمن في الحصار القسري لا في تقديم العلاج. وهنا، ارتفع صوت الإرادة المدنية ليصدح ردًا على جمود القرار العسكري. السيد موسى قاووق، والشيخ أبو محمد كامل كلوت، والحاج أبو جميل خليل سارة، جسّدوا معًا “فلسفة المبادرة” التي ترفض تسليم المصير لـ”فلسفة النظام” الباردة والمترددة. ومع سدّ ممرات الحي بـ”البَلّان”، تحول حي القلعة إلى نموذج مصغر للصمود المُدار بحكمة ريفية متوارثة. كان هذا التصرف نابعًا من دراية تراكمت من قسوة العيش، ومن علو شأن الأسرة وحمايتها التي تتقدم على أي اعتبار آخر. إن هذا التفاعل الاجتماعي كان أعلى درجات المسؤولية الوطنية، وتفجر من عمق الوعي الريفي المرتبط بالطبيعة وينابيع حكمتها، قبل أن يسقط من سماوات القرار المركزي الغائب والمخذول.

 الذاكرة الجنوبيّة… حين يصبح الإهمال قدرًا والصمود فريضة

اغتسلت الروح بمرارة أن يُقام السور، لا لردّ الغريب، بل لعزل القريب. لم تكن فجيعة تلك البلدة في عجز الجسد أمام الوباء وحمّاه، بل في اكتشاف اليُتم الوطني المريع الذي يغشاها تحت سماء دولتها. حينما يتحول الأمان المرجو إلى قرار عسكري قاسٍ، يحصد ما تبقى من الثقة ويسحق ما نما من انتماء، فإن الظلم لا يعود مجرد فعل، بل يصبح فلسفة حكم قائمة بذاتها. كان ذلك خذلانًا وطنيًا أعمق من أي جرح مادي، لأنه سُمّ ينساب في عروق الذاكرة الجماعية ليعلّم الأجيال أن الانتماء في هذه الزوايا هو عقد غير مُلزِم من طرف الوصيّ.

إن هذا النمط المتكرر من الأحكام الصارمة، التي سهّلت التهرّب من المسؤولية في تقديم العلاج والرعاية، لا يمكن مواجهته إلا بتولي الأمة شؤونها بأنفسها. لقد كانت تجاربهم وعلاقاتهم الاجتماعية المبنية على الفطرة السليمة وحكمة التراب، تمرينًا عمليًا على هذه الإدارة الذاتية، ودعوة صريحة إلى الاندماج الوطني الحقيقي الذي يبدأ من القاعدة، وعدم الخضوع للمركزية الجائرة التي اختارت الحصار بدلًا من تحمل واجبها.

منذ تلك الأزمنة القاحطة، لم تكفّ القرى والبلدات الجنوبية عن دفع ثمن اللامبالاة المتوارثة. نما الإهمال ليعانق كل أزمة كظل لا يفارق الجسد، بينما هي تكافح على جبهتين لا تُغلقان: نار العدوان الخارجي الذي لا يرى في التراب الجنوبي إلا هدفًا مشروعًا، وبرودة القرار الداخلي الذي لا يرى في أهلها إلا أرقامًا تُحصى عند سداد الديون. إن حقيقة التراب هنا تُدرك أن أصعب المعارك ليست تلك التي تُخاض بالرصاص، بل تلك التي تُخاض بالصمت، ضد النكران والنسيان. فالخلاصة ليست في أن تملك العالم، بل في أن تملك اللحظة التي تُدرك فيها أنك لا تحتاج سوى ما يغذي جناحيك لا قدميك. فاخطُ الآن لا بسرعة الخائف، بل بتؤدة الزارع الذي يعلم أن الموسم آتٍ لا محالة، وأن الاتجاه نحو العمق هو النجاة الوحيدة.

السابق
«الجهود الناعمة»: إيران تعزز نفوذها في لبنان عبر جمعيات الإغاثة كغطاء لنشاط عسكري 
التالي
زيارة أميركية ثانية للرئيس برّي: رسائل مُبطّنة في عين التينة وسباق مع الزمن على جبهة التفاوض