تدور بنا الدائرة، وتعود بنا الذاكرة إلى تلك الليلة التي ارتفعت فيها أنفاسُ الشتاء لتُلامس سقفَ الروح في بلدة عبّا، حين كان الجبلُ يرتدي معطفَ الصقيعِ القارس، وتُصبحُ القريةُ بأسرِها مَخطوطةً زرقاءَ تُعلّقُ على ساريةِ السماء. ليلةٌ لا يُسمَعُ فيها إلا النقرُ الحنونُ لقطراتِ المطرِ على ألواحِ التوتياء، كأنها إيقاعاتٌ صوفيّةٌ تُمهّدُ لِـحكمةٍ عتيقة. هذه المرة، لم يكن المجلسُ في أي مكان؛ لقد انعقدَ في بيتِ الفلاح القروي، صاحبِ القلبِ الدافئ، أبي شريف مَعنقي، الذي لا يزالُ منزلُهُ الطينيُّ يَحفظُ رائحةَ الأرضِ والزمنِ. هناك، حيثُ تَتوخُّ جُذورُ الدفءِ وتَتَوهَّجُ جَمراً، كان السَّمّارُ والسُّهّيرةُ يُحيطون بـالنارِ المُنْبَعِثَةِ من الحطبِ الذي تَوقَّدَ كالحَرْبِ، مُشَكّلينَ دائرةَ أُلفةٍ تنعمُ بـالمناعةِ من الحطبِ الذي يتغذى بـشَهبِ الحكاياتِ وفُكاهتِها، ولا يكسرها إلا صوتُ الخليلِ، الأستاذ خليل ترحيني، أبو بشار، وهو يَتصدَّرُ مجلسَ الحكاياتِ، مُستلّاً حِكمَ التراث.
الشتاء كميثاق كرم وأخلاق
في تلك العُزلةِ الإيجابيةِ التي يفرضُها الشتاءُ، فصلُ التأملِ والعمقِ، كان أبو بشار يستلُّ قيمَ القريةِ وأهلِها، ليجعلَها خيطَ الكرمِ الأصيلِ الذي يمدُّهُ من عمقِ الذاكرة، ليربطَ بين شِتاء عبّا وزمنِ حاتم الطائي. لم يكن الشتاءُ فصلاً، بل كان ميثاقَ كَرَمٍ، يرى الوالدُ أنَّ أروعَ تجليّاته تكمنُ في إدراكِ هشاشةِ المخلوقِ وضعفِهِ أمامَ سطوةِ الطبيعة، فقال في صوتٍ يحملُ أصداءَ الجنوبِ العتيقة: “الشتاءُ يَعرضُ على الإنسانِ أعظمَ امتحانٍ أخلاقيٍّ؛ هل ستصنعُ الدفءَ لروحِكَ فحسب، أم ستشعلُ نارَكَ هدايةً ودِثاراً للغريب؟ هذا التحدي هوَ ما جعلَ العربَ يُطلقونَ عليهِ فصلَ الملوكِ، ليسَ لترفِهِ، بل لِغِنَاهُ الروحيِّ الذي يُلهمُ الهَيامَ، حتى قيلَ: “أما الذي يَهوى الشتاءَ فـهَيْمُ!”. ثمَّ التفتَ أبو بشار بنظرةٍ مُثقلةٍ بالحنين إلى القدس وغُربتِها الروحيةِ في الليالي الباردة، مُضيفاً: “وفي هذه الليالي الطويلة، تُؤرّجُ في وجدانِنا ذكرياتُ الجمالِ الكامنِ خلفَ الحدود، في قرى فلسطين التي لا يَزيدُها الشتاءُ إلا تجذراً في فلسفةِ الصبرِ والأملِ؛ فكلُّ صقيعٍ يحملُ وعداً بدفءٍ قادمٍ، وتلكَ الحكمةُ تَصْقُلُ إنسانيتَنا”.
كرم الشتاء عند حاتم الطائي
وسرعان ما انتقل صوتُ أبي بشار ليُحاكي صوتَ التاريخ، مُجسِّداً حكايةَ حاتم الطائي في ليلةٍ كانت “الريحُ فيها صِرٌّ”—ليلةٌ يَقُصُّ فيها البردُ المسمار، وتستحيلُ الطرقاتُ إلى متاهاتٍ ثلجية. هنا، يَتَوقَّفُ الأستاذ خليل ليشرحَ فلسفةَ كرمِ الشتاء؛ ففي الصيفِ، قد يكونُ العطاءُ سَهلاً متوفراً، لكن في الشتاءِ، تَقِلُّ المؤونةُ وتَشتدُّ الحاجةُ، ويصبحُ إشعالُ النارِ عملاً نادراً ومُكلِفاً. ولذلك، كان حاتمٌ يَرى كرمَ الشتاءِ ليسَ مكرمةً عابرةً، بل واجباً وجودياً مُقدَّساً، يتجسَّدُ فيهِ التحرُّرُ من أسرِ الذاتِ. يرفعُ صوتهُ كأنَّهُ يُخاطبُ الغلامَ قائلاً: “تخيَّلوا المشهدَ: الظلامُ دامسٌ، والبردُ يكادُ يُجمّدُ العِظامَ، وحاتمٌ يُرسِلُ لغلامِهِ أمراً لا مَثيلَ لَهُ في الإيثارِ، فهو لا يأمرُهُ فقط بإشعالِ النارِ لدفئِه الشخصيِّ، بل لِتكونَ نِبراساً هادياً في ظلمةِ العراءِ، ومنارةً يَقصِدُها المارُّون. وحين يأمرُهُ: “عسى يَرى نارَكَ مَن يَمُرُّ، إِن جَلَبَت ضَيفًا فَأَنتَ حُرُّ”، لا يعلِنُ التحريرَ بصفتهِ مَنحةً عاديةً، بل يعلنهُ بصفتهِ ثَمَنَ استجلابِ الكَرَمِ، جاعلاً الغريبَ نِعمَةً تَتَحقَّقُ بها حُرّيةُ الغلام. هذا هو الجمالُ الذي لم يَعُد يُسطَّرُ بالورقِ فحسب، بل هوَ جَوهرُ الموقفِ الإنسانيِّ الذي يُحَرِّرُ الذاتَ من قيودِ الشحِّ والخوفِ، ليُصبحَ الكرمُ فعلَ مقاومةٍ للعدمية”.
شتاء الجنوبيين وروح التكاتف
وفي عبّا، يتابعُ أبو بشار، لا نُحرّرُ الغلمانَ، لكننا نُحرّرُ الروحَ من أنانيّتها، حينما نوقِدُ مدفأةَ الحطبِ، ولا نَكتفي بدفئِها، بل نُبادرُ إلى إيقادِ الدفءِ في قلوبِ مَن حولنا، ونُقاسمُ الجارَ طعامَنا في ليلةٍ عصيبة، مُجسِّدينَ التكاتفَ المتوارثَ في التراثِ الجنوبيِّ. هنا، تذكَّرَ الوالدُ رثاءَ الشاعرةِ الهذليّةِ لأخيها عمرو، واصفةً ليلةً باردةً حدَّ أنَّ “الكلبَ لا يَنبَحُ فيها غيرَ واحدةٍ/ من العشاء ولا تسري أفاعيها” من شدةِ البرد، وفي تلكَ الليلةِ، كانَ أخوها “مُطعماً شحمَ العِشارِ”. لِيَلتفتَ أبو بشار للسامرين بنظرةٍ مُشرقةٍ، قائلاً: “تخيَّلْ لو أنَّ قصيدةَ الهذليّةِ تُقالُ اليومَ بلسانِ عصرِنا، لَربما لخصت الموقف في عبارة جامعة: يا ليتنا نملكُ في برودةِ أيامِنا، قلباً سخياً كَعمرو، يُبدِّدُ الجوعَ باللحمِ الوفيرِ في ليلةٍ لا يَجرؤُ فيها الكلبُ على نَبْحٍ طويلٍ!”
هذا التفسيرُ البليغُ، الذي يمزجُ بينَ فصاحةِ الجاهليةِ ودفءِ الموقفِ الإنسانيِّ، يَتَجسَّدُ في كلِّ لحظةٍ في ذلكَ البيتِ الطينيِّ، حيثُ تتشابكُ الحكاياتُ المَرْثِيَةُ على ألسنةِ الجدّاتِ، مُعلِنةً أنَّ الشتاءَ ليسَ خاتمةً، بل نُقطةُ بَدءٍ دائمة، تُدرِكُ فيها الأرضُ رائحةَ نفسِها، وأنَّ الربيعَ يختبئُ في عمقِ الشتاءِ، كذلك الأملُ في قلوبِ البشرِ. فالشتاءُ هوَ اختبارُ قلوبٍ، وفي منزلِ أبي شريف مَعنقي، لم يَعُد حاتم الطائيُّ مجرّدَ أسطورةٍ، بل أصبحَ حقيقةً إنسانيةً مُتجدّدةً، حاضرةً في كلِّ بيتٍ يُشرِعُ دِفئَهُ للغريبِ والقريبِ، لتستمرَّ سمفونيةُ التجديدِ الخالدة التي يُتقنُ عزفَها هذا الفصلُ العظيم.

