حين يصبح إقصاء الزعيم المسيحي سمير جعجع أخطر من حضوره

ديما صلح

لم تكن زيارة المرجع الروحي المسيحي الأعلى مجرد حدث ديني، بل كانت نافذة مفتوحة على قلب لعبة سياسية مهترئة تُدار في الظل.

ففي اللحظة التي اصطفّ فيها المسؤولون تحت عدسات التلفزيون، كان المشهد الحقيقي يُكتب في مكان آخر، حيث يجلس الرئيس جوزيف عون مع فريقه محاولاً ترتيب الصورة بدقة جراح يداوي جرحاً لا يريد لأحد أن يراه.

بالنسبة إليه، ظهور الزعيم المسيحي الشعبي الاول سمير جعجع في المشهد ليس مجرد حضور بروتوكولي، بل تهديد لتوازن هشّ يحرص على إخفائه خلف ابتسامة رسمية.

فالرئيس يدرك أكثر من غيره أن سمير جعجع لا يحتاج منصة كي يعلو صوته، ولا يحتاج كاميرا كي يجذب الجمهور فوجوده وحده قادر على قلب القراءة السياسية للحظة، وسحب البساط من أي مسؤول يحاول التشبث بصورة الدولة.

لذلك بدا قرار إقصائه عن المشهد وكأنه عملية جراحية سياسية دقيقة،،إزالة جسيم حساس من الصورة كي لا تتعطّل آلية التحكم، ومنع الضوء من الانعكاس على أحد غير الوجه الرسمي.

إقرأ أيضا: البابا وبروتوكول بعبدا.. الهوة بين عون وجعجع تتسع

لكن خلف تلك الخطوة المحسوبة تختبئ طبقة أكثر سمّية من الحسابات،خشية الرئيس من إرباك شريكه الأكبر في اللعبة، تلك القوة التي تملك القدرة على هزّ البلاد إن شعرت بأن الرموز تُستخدم ضد سرديتها. لذلك بدا المشهد وكأنه بناء مُتقن لجدار يفصل الرمزية الدينية عن أي احتمال لظهور الزعيم الشعبي بصفته رسالة.

فالرئيس، الساعي للتماهي مع القوة الأكبر في البلد، لا يريد أن يخلط الروح بالمعارضة، ولا أن يمنح أي طرف مساحة لقراءة عدائية من زاوية طائفية أو سياسية.

وفي طابق أعلى من القصر، كانت البطريركية تراقب بصمت،تعرف جيداً أن اللعبة ليست لها، وأن كل طرف يريد أن يستعير قدسية الزيارة لتقوية موقعه أو حماية صورته لكنها، كعادتها، تقول شيئاً وتترك الباقي لخرزة زرقاء أو لرصاصة سياسية طائشة لا يعرف أحد من أين تأتي.

أما الفريق الاستشاري في القصر، فكان الأكثر ارتياحاً فهؤلاء الذين يجيدون إعداد اللقطة يعرفون أن أفضل طريقة للسيطرة على المشهد هي التحكم بما لا يظهر، لا بما يظهر.

ولذلك كانت نظريتهم بسيطة إذا كان حضور سمير جعجع  يُربك و عقيلته يربك فغيابه يُطمئن وإذا كان ظهوره نصاً معقداً يحتاج تفسيراً، فإقصاؤه يمنح المشهد هدوءاً اصطناعياً يمكن تسويقه كحكمة دولة.

لكن الحقيقة الأكثر مرارة هي أن الغياب لم ينجح في إخفاء الشخصية، بل ضاعف قوتها الرمزية فالجمهور قرأ القصة بطريقة أخرى تماماً فليس من غاب هو المهم، بل لماذا غاب؟

ليس من حضر، بل من مُنع من الحضور؟ وهكذا تحولت محاولة إطفاء الضوء إلى عملية عكسية، جعلت الظل أكثر وضوحاً من الوجوه الواقفة أمام الكاميرات.

الإعلام، بدوره، كان ينتظر هذه اللحظة،التقط الغياب كما يلتقط الصياد رائحة دم في الغابة، ونشر التأويلات على شكل تسريبات وتحليلات، بعضها مبالغ فيه، وبعضها أقرب إلى الحقيقة مما يريد أصحاب القرار الاعتراف به.

فالإعلام يعرف أن اللعبة ليست بروتوكولاً، بل موازين قوة، وأن ما يُخفى خلف الأبواب هو دائماً أكثر أهمية مما يُعلن على المنصات.

إقرأ أيضا: كلام في السياسة مع بابا الفاتيكان

في النهاية، بدا كل شيء كأنه عملية أمنية ناجحة على الورق، لكنها فاشلة في الوعي العام.

الرئيس أراد السيطرة على الصورة، فإذا بالصورة تفضحه،أراد إقصاء منافس، فإذا بالمنافس يصبح محور السؤال.

أراد تهدئة القوة الأكبر، فإذا بالتهدئة نفسها تبدو علامة ضعف، لا علامة حكمة.

وهكذا، تحوّلت زيارة روحية إلى كشف سياسي لا يرحم،في هذا البلد، ليس المهم من حضر، بل من مُنع من الحضور وليس المهم ما يُقال على المنصات، بل ما يُقال في الغرف التي لا يدخلها الضوء.

السابق
قبل زيارتها لبنان الخميس.. أورتاغوس في إسرائيل وتلتقي نتانياهو وكاتس
التالي
الصحف الإيرانية: المفاوضات النووية إلى الواجهة ووساطة فرنسية محتملة