في لحظة تبدو فيها المنطقة كلّها معلّقة على خيطٍ رفيع من التوتر، جاءت زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى بيروت كرسالة عاجلة تحمل ثقل التحذير الإقليمي ومحاولة تثبيت الاستقرار في وجه رياح التصعيد. من قصر بعبدا إلى عين التينة، حرص عبد العاطي على تأكيد دعم مصر للبنان، معتبرًا أنّ الأولوية اليوم هي منع البلاد من الانزلاق إلى حرب جديدة، في ظل ضغوط متزايدة على ملف السلاح ومعادلات الردع والاشتباك، وفي وقت تتقاطع فيه رسائل أميركية وإسرائيلية وإيرانية فوق الساحة اللبنانية.
مصر تدعم مبادرة عون: لا استقرار بلا حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة
استهلّ وزير الخارجية المصري جولته بلقاء رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ناقلًا إليه توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي بضرورة تقديم كل الدعم والمساعدة للبنان.
وحذّر عبد العاطي من أنّ المنطقة «على شفا التصعيد الكامل»، معتبرًا أن أي شرارة قد تشعل مواجهة واسعة، وأن القاهرة «لن تتوقف عن بذل أي جهد لتجنيب لبنان المخاطر».
في موقف لافت، أعاد عبد العاطي التأكيد على دعم مصر الكامل لمبادرة الرئيس عون خلال عيد الاستقلال، والقاضية باستعداد الجيش اللبناني لتسلّم النقاط كافة في الجنوب. كما شدّد على دعم القرارات الحكومية المتعلقة بحصر السلاح، مشيرًا إلى «تناغم كامل بين المقاربة المصرية والموقف اللبناني» في هذا الإطار.
وأضاف: «نقوم بجهد مكثّف لتجنيب لبنان أي عدوان، ونرفض خروقات إسرائيل لسيادته»، مؤكّدًا الالتزام بتطبيق القرار 1701، والدعوة إلى البناء على رؤية الرئيس عون للحل الدبلوماسي وتفادي الانفجار.
رسائل متناقضة من طهران وتل أبيب… ولبنان ساحة اختبار إجباري
في موازاة الحراك المصري الهادئ، دوّى موقف مستشار المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي اعتبر أنّ «وجود حزب الله بات بالنسبة للبنان أهمّ من الخبز اليومي»، مؤكّدًا استمرار طهران في دعمه، ومعتبرًا أن اعتداءات إسرائيل تُظهر «كارثية» أي محاولة لنزع سلاحه.
هذه الرسالة الإيرانية أتت في توقيت دقيق، خصوصًا بعدما صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن حزب الله «لن يسلم سلاحه طوعًا»، محذرًا من أن «عدم تنفيذ القرار الأميركي بإلزامه التخلي عن سلاحه حتى نهاية العام سيقود إلى عمل قاسٍ في لبنان».
وأضاف كاتس أنّ بلاده «لن تتراجع عن جبل الشيخ ولن تغادر سوريا»، وأن «لبنان لن ينعم بالهدوء دون ضمان أمن إسرائيل».
تصعيد إسرائيلي مباشر يقابله تثبيت إيراني لخطوط الدعم، فيما يجد لبنان نفسه مجددًا في واجهة صراع إقليمي لا يملك ترف الانفكاك عنه، ولا القدرة على تحمل نتائجه.
الرئيس عون: ترسيم الحدود مع قبرص خطوة استراتيجية تعزز موقع لبنان البحري
على خط موازٍ للتوترات الأمنية، سجّل لبنان تقدّمًا مهمًا في ملف الطاقة عبر توقيع اتفاقية ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة مع قبرص.
وأكد الرئيس جوزاف عون أنّ هذا الإنجاز «يسمح للبلدين ببدء استكشاف الثروات البحرية، ويؤسس لتعاون ثنائي أعمق»، مشيرًا إلى العلاقة المتينة التي تربطه بالرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس.
عون دعا إلى استكمال مسار التفاهمات البحرية مع كل الأطراف الراغبة، معتبرًا أنّ «الخيار الوحيد هو الابتعاد عن لغة الحروب وسياسات الهيمنة»، وأن الطاقة قد تتحول إلى جسور استقرار لا ساحات صراع.
من جانبه، وصف الرئيس القبرصي الاتفاقية بأنها «إنجاز استراتيجي»، مؤكدًا أنها تعزز فرص التعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية، وتمنح المستثمرين اليقين القانوني والاقتصادي. كما أبدى ارتياحه لمسار الربط الكهربائي بين البلدين، معلنًا التوجه المشترك نحو البنك الدولي لإعداد دراسة جدوى شاملة.
بين المساعي الدبلوماسية وضغط السلاح… لبنان على حافة مفترق تاريخي
تزامنت زيارة عبد العاطي مع تحذيرات دولية من خطورة أي اشتعال في الجنوب، فيما شدّد السفير الأميركي ميشال عيسى خلال لقائه الرئيس عون على دعم واشنطن لاستقرار لبنان، ناقلًا تهنئة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونيته توجيه دعوة رسمية للرئيس عون لزيارة الولايات المتحدة.
على ضوء هذه المواقف المتقاطعة بين القاهرة وواشنطن وقبرص، وما يقابلها من رسائل حادة من طهران وتل أبيب، يبدو لبنان أمام مفترق حاسم:
إمّا الانخراط في مسار حقيقي نحو بسط سلطة الدولة وتنفيذ القرار 1701 وحصر السلاح، وإمّا الانجرار إلى مواجهة جديدة قد تعصف بما تبقّى من استقراره السياسي والاقتصادي.
في كل الأحوال، يحمل المشهد الراهن ما يكفي من الإشاراتأ ان المعركة الكبرى اليوم هي معركة منع الحرب، لكنّ شروط السلم الدائم لم تتبلور بعد، فيما الجميع يراقب ما إذا كانت بيروت قادرة على ترجمة هذه الفرصة الدبلوماسية… قبل فوات الأوان.

