تُشير الأوضاع الحالية في حركة حماس إلى حالة من التململ الداخلي الكبير، حيث يرى العديد من الفلسطينيين أن عملية “طوفان الأقصى” لم تحقق أيًّا من أهدافها المعلنة، رغم الخسائر البشرية والمادية الكارثية التي خلّفتها، والتي دفع ثمنها المدنيون وحدهم. هذا الوضع يفتح أبواب الصراع على مصراعيها في داخل الحركة، حيث أصبح هناك انقسام بين وجهتي نظر مختلفتين داخل قيادتها. وتزداد المؤشرات على حدوث تصدّع داخلي غير مسبوق في صفوف قيادة حماس، في ظل تغيّر موازين القوة داخل الحركة بعد انهيار البنية القيادية المتشددة في غزة وصعود شخصيات كانت مهمَّشة في السابق.
الاستفادة من الحدث والعمل على التحديث ضمن البيئة الإقليمية
إن وجهة النظر التي تدعو إلى التحديث داخل الحركة تتطلب هضم المتغيرات الجديدة التي حدثت في المنطقة والعمل على بناء رؤية جديدة تتأقلم مع الحدث الكبير الذي وقع في غزة والجوار. فعملية “طوفان الأقصى” لم تهم المنطقة بأكملها، ولا حتى الشعب الفلسطيني بشكل كامل، مما يتطلب مراجعة شاملة لسياسات الحركة وتوجهاتها في المرحلة المقبلة.
رؤية خالد مشعل المتجددة
مع هذا التحوّل، بدأ خالد مشعل يرفع سقف الضغط من أجل ما يصفه بـ”إعادة تقييم شاملة” لمسار الحركة. وقد كسب مشعل دعماً بين جزء من كوادر الضفة الغربية، إلى جانب قادة صغار نجوا من الحرب في غزة. في مداولات داخلية مغلقة، يجادل مشعل بأن الحركة لم يعد بإمكانها مواصلة الاعتماد على إيران وحزب الله، بعدما تلقّى الطرفان ضربات موجعة من الجيش الإسرائيلي أضعفت قدرتهما على دعم حماس. ويطرح مشعل رؤية تدعو إلى “عودة صادقة” للعالم العربي، تشمل السعي للمصالحة مع دول الخليج—باستثناء قطر—ومصر وسوريا.
هذه العودة، بحسب رؤية مشعل، لن تكون مجانية. إذ ستتطلب من الحركة الموافقة على الشروط التي تطرحها السعودية والإمارات ومصر لتمويل إعادة إعمار غزة، والتي تشمل التخلي عن الحكم ما بعد الحرب، نزع السلاح، وتفكيك جناحها العسكري. كما يدعو مشعل إلى تليين شروط المصالحة الفلسطينية الداخلية عبر الانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية، والالتزام بمنصتها السياسية الرافضة للكفاح المسلح، والداعمة لحل الدولتين، والمانعة لانتشار السلاح خارج إطار السلطة الفلسطينية. مشعل يصرّ على أن حماس لم تعد قادرة على مواصلة حكم مليوني فلسطيني مرهقين ومحاصرين في أنقاض غزة. “لا مال، ولا مانحين، ولا شرعية شعبية تتجدد… والناس تنقلب”، كما ينقل عنه مقربون. لذلك، يقترح أن تتحول حماس إلى حزب سياسي بوزن ثانوي، بانتظار فرصة انتخابية في المستقبل. باختصار، رؤيته تقوم على الاعتراف بفشل نهج السنوار، ثم دفع الثمن الآن، أملاً في استعادة موقع أفضل لاحقاً.
الارتباط بأجندات خارجية وتوجهات ثابتة
على الجانب الآخر، هناك تيار متشدد داخل الحركة، المرتبط بالأجندة الإيرانية، الذي لا يزال يتمسك بالأفكار التقليدية والارتباطات الخارجية. هذا التيار لا يعترف بما حدث في غزة والمنطقة ويصر على أن ما جرى هو جزء من النضال المطلوب من الشعب الفلسطيني القيام به، لأنه يعتبر أن عملية التحرير تتطلب هذه المواجهات لوضع القضية الفلسطينية على الطاولة مجددًا.
رؤية خليل الحية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني
في الجهة الأخرى، يقود خليل الحية الفصيل الرافض لهذه المقترحات، ويواجه رؤية مشعل بغضب واضح. يرى هذا التيار أن تشغيل “ورقة الرهائن” بذكاء كفيل بتحقيق انسحاب كامل للجيش الإسرائيلي، وبالتالي الحفاظ على السيطرة الحصرية لحماس على غزة. ويعتقد قادة هذا التيار أن قطر وتركيا، إضافة إلى متبرعين غير حكوميين، سيستمرون في إيجاد طرق لإيصال الدعم المالي. كما يصرون على أن إيران—رغم ضعفها—ستبذل أقصى ما لديها لمساعدة الحركة. أما السلطة الفلسطينية، فهم يرونها “هشة للغاية”، ولا فائدة من السعي إلى استرضائها أو الانضمام لمنظمة التحرير في الظروف الحالية.
حتى الآن، صراع داخلي مكتوم
حتى الآن، ما يزال هذا الجدل الساخن محصوراً داخل الغرف المغلقة ولم يصل إلى العلن بعد، في ظل التوترات المتصاعدة داخل قيادة حماس. هذا الصراع الداخلي، رغم أنه لا يزال محدودًا في دوائر مغلقة، يعكس عمق الأزمة التي تعيشها الحركة في ظل التغيرات السياسية والعسكرية الكبيرة التي شهدتها المنطقة. قد يستغرق الأمر وقتاً قبل أن تتضح الوجهة التي ستسلكها الحركة في هذا المفترق الحاد، حيث تبدو القيادة منقسمة بين تيارات متعددة.
من جانب، هناك قوى تدعو إلى إعادة تقييم شامل لسياسات الحركة، خاصة تلك المرتبطة بتوجهات المقاومة المسلحة والتحالفات الإقليمية، مثل العلاقة مع إيران وحزب الله. ومن جانب آخر، هناك تيار يتمسك بشدة بتلك السياسات التقليدية التي تشكلت على مدار السنوات الماضية، ويرفض التنازل أو التعديل في مواقف الحركة. هذا الصراع، الذي يزداد احتدامًا، قد يؤدي إلى إحداث تصدعات واسعة النطاق في صفوف حماس، وهو ما قد يعيد تشكيل ملامح الحركة داخليًا.
لكن المؤكد أن عاصفة غير هادئة تعصف بقيادة حماس، وربما تحمل معها انشقاقات تعيد رسم مستقبل الحركة ودورها في المشهد الفلسطيني. قد تفتح هذه الانشقاقات الباب أمام ظهور قيادات جديدة، قد تكون أكثر توافقًا مع التغيرات الإقليمية والدولية، أو قد تزيد من تماسك التيارات المتشددة داخل الحركة. كما أن هذه التطورات الداخلية قد تؤثر على مكانة حماس بين القوى الفلسطينية الأخرى، وكذلك على موقفها في الحوار مع الفصائل الفلسطينية المختلفة، بما في ذلك السلطة الفلسطينية.
إن هذه اللحظات الحاسمة قد تضع حماس في موقف بالغ الصعوبة، حيث ستكون مضطرة للاختيار بين التكيف مع المتغيرات السريعة في المنطقة أو التمسك بخياراتها التقليدية التي قد تجد نفسها عاجزة عن الاستمرار في تطبيقها بشكل فعال.
بداية الجدل السياسي عادةً ينتهي بالانقسامات
إن هذا الصراع الداخلي في حماس، بين تيار خالد مشعل الداعي إلى الانفتاح على العالم العربي وتليين مواقف الحركة، وتيار خليل الحية الذي يتمسك بخيار المقاومة المسلحة والمواقف المتشددة، قد يكون له تأثير بالغ على مستقبل الحركة السياسي والإستراتيجي. في النهاية، قد يكون هذا التحول ضروريًا لمواكبة التغيرات الإقليمية والدولية، لكن ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى وحدة أم انقسام داخل الحركة، فلا يزال أمرًا غير واضح.
الأيام القادمة قد تكشف عن حجم هذه الانشقاقات، وهل ستكون عاصفة تغييرات داخلية أم مجرد مرحلة عابرة في تاريخ حركة حماس.

