هل يمكن للعراق أن يحل محل سوريا بالنسبة لروسيا؟

خالد العزي

مع تزايد التحديات التي تواجهها روسيا في سوريا، بدأ العراق يتحول إلى محور رئيسي في الاستراتيجية الروسية في منطقة الشرق الأوسط. وبينما تتراجع سوريا إلى حالة من عدم اليقين السياسي والعسكري، يبرز العراق كمنصة جديدة لبناء النفوذ الروسي، خاصة في مجالات الطاقة، البنية التحتية، والتعاون العسكري. هذه التحولات تشير إلى أن العراق قد يصبح البديل الاستراتيجي بالنسبة لروسيا في المنطقة.

الواقع السوري: تحديات وصعوبات

منذ بداية التدخل العسكري الروسي في سوريا في عام 2015، اعتُبرت سوريا قاعدة أساسية لتوسيع النفوذ الروسي في الشرق الأوسط. لكن، مع تصاعد الأزمات السياسية، والاضطرابات الأمنية، وصعود جماعات متطرفة، أصبح الوضع في سوريا أكثر تعقيدًا. قاعدة حميميم في اللاذقية وقاعدة طرطوس البحرية، اللتان تُعدان من الأصول الاستراتيجية لروسيا، ما زالتا تعملان، لكن أهميتهما تتضاءل تدريجيًا في ظل تغييرات كبيرة على الأرض.

علاوة على ذلك، لا يزال النظام السوري يواجه صعوبة في تعزيز استقراره الداخلي في ظل استمرار العنف والتحديات السياسية. في هذا السياق، أرسلت روسيا إشارات واضحة عبر زيارة سكرتير مجلس الأمن الروسي، سيرجي شويغو، إلى بغداد في سبتمبر/أيلول 2025. كان الهدف من الزيارة واضحًا: تحوّل اهتمام روسيا نحو العراق، حيث توجد فرص اقتصادية أكبر، وأقل من حيث الاضطرابات السياسية.

العراق: فرصة استراتيجية لروسيا

يُعتبر العراق اليوم نقطة محورية في الاستراتيجية الروسية بالشرق الأوسط، حيث يوفر فرصًا كبيرة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والأمن. في ظل تراجع النفوذ الروسي في سوريا، يبرز العراق كميدان جديد لتعزيز العلاقات الثنائية، بما في ذلك الشراكات الاقتصادية والتعاون العسكري، مما يعكس تحولًا مهمًا في السياسة الروسية الإقليمية من خلال التالي :

-الطاقة: بداية تعاون قوي

العراق يمثل فرصة استراتيجية بالنسبة لروسيا في قطاع الطاقة. فمنذ سنوات، تعمل شركة “لوك أويل” الروسية في العراق، ومع ذلك، فإن التطور الأخير يعد خطوة هامة: فقد تم منح الشركة الروسية حق الوصول إلى حقل “أريدو” النفطي، الذي يُعتبر أحد أكبر الاكتشافات النفطية في السنوات الأخيرة. تقديرات احتياطيات هذا الحقل تصل إلى مليارات البراميل، ما يفتح الباب أمام روسيا لتعزيز وجودها في سوق النفط العالمي. هذا التعاون لا يتوقف عند حد الاستثمار، بل يمتد ليشمل الشراكة في دورة إنتاج طويلة الأجل، والتي ستعزز من استقرار الاقتصاد العراقي وتخلق فرص عمل محلية.

-البنية التحتية: مشروع الربط بين الخليج وأوروبا

العراق يطمح إلى أن يصبح مركزًا لوجستيًا رئيسيًا بين الخليج العربي وأوروبا. المشروع الأكبر في هذا السياق هو تطوير ميناء الفاو الكبير، الذي سيشكل نقطة عبور رئيسية عبر العراق إلى تركيا وأوروبا. روسيا ترى في هذا الممر البري فرصة ذهبية لربط بحر قزوين بالعراق وتركيا، ما يمنحها طريقًا بديلًا عبر البر بعيدًا عن مضائق البحر، التي قد تتعرض للضغط العسكري في المستقبل.

– التعاون العسكري: الفرص في ظل الانسحاب الأمريكي

انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق، والذي من المتوقع أن يتم في نهاية 2025، يفتح المجال أمام أطراف جديدة، مثل روسيا، لتعزيز تعاونها العسكري مع بغداد. روسيا تمتلك خبرة واسعة في برامج التدريب العسكري وتوريد الأسلحة، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي والمعدات المضادة للجماعات المتطرفة. من خلال توسيع التعاون العسكري مع العراق، تسعى روسيا إلى التأثير على الاستقرار الأمني في المنطقة، في وقت تتزايد فيه أهمية الشراكات متعددة الأقطاب.

– الطاقة النووية: خطوة نحو المستقبل

من المجالات الأخرى التي تسعى روسيا إلى تعزيز وجودها فيها في العراق هو الطاقة النووية. العراق يعاني من نقص حاد في الكهرباء منذ عقود، وقد بدأ في دراسة بناء مفاعلات نووية صغيرة لتلبية احتياجاته المتزايدة. في هذا السياق، تم توقيع مذكرة تفاهم مع شركة “روساتوم” الروسية، للعمل على مشاريع طاقة نووية سلمية. هذا التعاون سيكون له آثار طويلة الأمد، ليس فقط في تزويد العراق بالكهرباء، ولكن أيضًا في بناء علاقات استراتيجية مع روسيا في هذا المجال المتقدم.

العراق: ليس بديلاً لسوريا، بل شريك جديد

من الواضح أن روسيا ترى في العراق فرصة للاستثمار طويل الأجل. مع تزايد التحديات في سوريا، يبقى العراق جزءًا من الاستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط، ولكنه لا يمكن أن يكون بديلاً كاملاً لسوريا. العراق لا يمتلك منفذًا على البحر الأبيض المتوسط، ولا يملك قواعد عسكرية ثابتة مثل سوريا، وهذا ما يجعل المقارنة بينهما غير دقيقة. رغم ذلك، يمكن للعراق أن يصبح مركزًا إقليميًا حيويًا في مجالات الطاقة، اللوجستيات، الأمن، والتكنولوجيا.

كما أن الوضع الداخلي للعراق، رغم تعقيداته، يبقى أكثر استقرارًا نسبيًا من سوريا. النظام السياسي في العراق هش، وتديره تحالفات معقدة، مما يجعل من الضروري لروسيا توخي الحذر في تعاملاتها مع جميع الأطراف المحلية. ومع ذلك، يمكن أن يصبح العراق حليفًا استراتيجيًا لروسيا في مرحلة جديدة من السياسة الإقليمية.

في النهاية، يبدو أن العراق سيصبح منصة جديدة لبناء النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، في الوقت الذي تتراجع فيه سوريا إلى حالة من عدم اليقين. العراق يقدم فرصًا اقتصادية كبيرة في مجالات النفط، الطاقة النووية، والبنية التحتية، إضافة إلى وجود بيئة أمنية أكثر استقرارًا. لكن، في ظل التعددية القطبية الجديدة، فإن روسيا ستحتاج إلى أن تكون أكثر مرونة في تعاملاتها مع العراق، وتفادي الانغماس في الصراعات الداخلية، مما يعزز فرص نجاح هذه الاستراتيجية في المستقبل.

السابق
اعتراف حزب الله بهزيمته أم اعترافنا جميعاً بهزيمة دولة ووطن؟
التالي
«الحزب» في ذكرى الاستقلال: التمسّك بعوامل القوة والوحدة لمواجهة العدوان الإسرائيلي