بين الجمود النيابي والتصعيد الإقليمي: المسيّرات تجتاح سماء لبنان وترامب يلوّح بتدخّل في غزة

ام كا

يبدو المشهد اللبناني محكومًا بمفارقةٍ صارخة بين ركود الداخل السياسي وتسارع الإيقاع الإقليمي نحو التصعيد. ففي وقتٍ رفع فيه رئيس مجلس النواب نبيه بري الجلسة النيابية الإدارية بعد ثبات هيئة مكتب المجلس على حالها، كانت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية تملأ سماء لبنان، فيما وصلت إلى المنطقة قاذفات أميركية ثقيلة ومقاتلات إضافية، في مؤشرٍ واضح على احتدام التوتّر على خطّ لبنان – إسرائيل – غزة.

وفي موازاة هذه التطورات، برزت تحرّكات سياسية في القصر الجمهوري ووزارة الخارجية حول ملف الحياد اللبناني ومشاركة بيروت في “إكسبو الرياض 2030″، بينما تتكثّف الدعوات إلى استئناف المفاوضات مع إسرائيل، سواء بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، وسط تحذيرات أميركية من أن الوقت ينفد قبل اندلاع حرب جديدة على لبنان.

جلسة إدارية بامتياز… ولا جديد في هيئة المكتب

رفع الرئيس نبيه بري الجلسة النيابية التي خُصّصت لانتخاب أميني السر والمفوضين الثلاثة وأعضاء اللجان، لتبقى هيئة مكتب المجلس على ما كانت عليه، مع تعديلات طفيفة في لجنتي الإعلام والاتصالات، حيث حلّ النائب ملحم رياشي مكان غياث يزبك، وأديب عبد المسيح مكان فريد الخازن في لجنة تكنولوجيا المعلومات.

وأكد بري في ختام الجلسة بقاء رؤساء ومقرري اللجان في مواقعهم، مشيرًا إلى أنّ التبديلات جاءت وفق ما تبلّغه من اللجان نفسها.

أما نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب، فشدّد قبل الجلسة على طابعها الإداري، كاشفًا أنّ لجنة فرعية تتابع دراسة القوانين قيد البحث، وأنّ مقاطعة بعض الأعضاء مؤقتة. وأضاف: “طرحت سابقًا على النواب سحب اقتراحات القوانين المتعددة وترك واحد فقط، كي تتركز الجهود على صياغة قانون موحد”.

من جهته، شدّد رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان على أن “الانتخابات النيابية ستُجرى في موعدها”، داعيًا الحكومة إلى إرسال مشروع قانون واضح ينظم تصويت غير المقيمين، ومطالبًا بإقرار المشروع المقدم من وزير الخارجية في الهيئة العامة. وقال: “لن نقبل أن نبقى في المجهول، والحسم يكون في البرلمان”.

تصعيد مرتقب على الجبهة الجنوبية

في المقابل، حذّر عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب علي فياض من أن “الجو العام في إسرائيل سياسيًا وميدانيًا يوحي بأننا نتجه إلى تصعيد عسكري ما”، مؤكدًا أن “لبنان قام بكل ما عليه خلال الأشهر الأخيرة، والكرة الآن في ملعب إسرائيل”.

وتزامن ذلك مع تحليق مكثّف للطائرات المسيّرة الإسرائيلية فوق بيروت والبقاع والجنوب، بعضها حلّق لأول مرة على علو منخفض فوق القصر الحكومي ومطار بيروت، في سابقةٍ تعكس منسوب التوتّر الميداني. كما أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أن قوات احتياط من لواء الجبال دمّرت “مرابض تابعة لحزب الله في منطقة جبل روس” بهدف “منع تموضع مستقبلي للحزب”، مضيفًا أن الجيش “سيواصل إزالة أي تهديد على إسرائيل”.

وفي الجنوب، سُجّل إشكال بين الأهالي وقوات اليونيفيل على طريق محرونة – ديرنطار، ما استدعى تدخّل الجيش اللبناني لضبط الوضع، في تذكيرٍ هشّ بطبيعة الميدان القابل للاشتعال في أي لحظة.

بين التفاوض المباشر وغير المباشر

في المشهد السياسي، أعاد النائب سكاف النقاش حول آلية التفاوض مع إسرائيل إلى الواجهة، موضحًا أن المبادرة التي طرحها الرئيس جوزاف عون تستند إلى تجربة ترسيم الحدود البحرية بوساطة أميركية، وأنها “رسالة أولية بانتظار الأصداء”. وأكد أن الولايات المتحدة تضغط نحو مفاوضات مباشرة لإنهاء الصراع، فيما تحاول بيروت إيجاد صيغة وسط بين المسارين المباشر وغير المباشر.

وأضاف سكاف في حديث إذاعي: “ما قاله المبعوث الأميركي توم براك كان الإنذار الأخير، ولبنان يجب أن يمهّد للمفاوضات قبل أن تقوم إسرائيل بحرب واسعة عليه”.

عون بين الحياد والسلاح

سياسيًا، واصل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لقاءاته في قصر بعبدا، فاستقبل النائب وليد البعريني الذي أكد تأييده لمواقف الرئيس “خصوصًا في موضوع التفاوض وحصرية السلاح”، مشيدًا بـ”حكمة فخامته في تجنّب أي صدام داخلي”.

وفي لقاءٍ آخر، بحث عون مع النائب والوزير السابق ميشال فرعون والوفد المرافق التحضيرات للقاء التشاوري في 20 تشرين الثاني المقبل، الذي يمهد لإطلاق الجزء الثاني من كتاب “حياد لبنان الرسمي في إطار جامعة الدول العربية”، تحت عنوان “حياد لبنان واللبنانيين: إقفال لبنان الساحة والساحات”.

وأوضح فرعون أن المشروع “يستند إلى خطاب القسم والبيان الوزاري، ويستعين بخبرات نمساوية لتأصيل مفهوم الحياد اللبناني في السياسة والتربية والذاكرة”.

اللقاء أعاد التذكير بجدلية الحياد مقابل المقاومة، وبالحاجة إلى تطبيق القرارات المتعلقة بحصرية السلاح والإصلاح في مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان.

التحركات الإقليمية… فانس في تل أبيب وترامب يلوّح

على الصعيد الإقليمي، وصل نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى إسرائيل في زيارة طارئة تهدف إلى تعزيز اتفاق وقف إطلاق النار الهشّ في غزة، في وقتٍ تجددت فيه الغارات الإسرائيلية شرق رفح.

وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن الزيارة تأتي ضمن جهود إدارة دونالد ترامب لإنقاذ الهدنة، حيث عقد فانس اجتماعًا في مطار بن غوريون مع جاريد كوشنر وستيف ويتكوف استمر ساعتين.

بالتوازي، وصل رئيس المخابرات المصرية حسن رشاد إلى تل أبيب للقاء مسؤولين إسرائيليين في إطار التنسيق المصري – الأميركي حول التهدئة.

لكن الموقف الأكثر لفتًا للانتباه كان للرئيس ترامب نفسه، الذي قال:

“بناءً على طلبي، سيدخل الحلفاء غزة إن لزم الأمر. أبلغت الحلفاء وإسرائيل أن الوقت لم يحن بعد للتدخل عسكريًا ضد حماس، لكن إن لم تقم الأخيرة بما هو صواب، فستكون نهايتها سريعة وعنيفة ووحشية.”

خلاصة المشهد: لبنان بين حدّين

بين جمود الداخل السياسي واندفاع الخارج نحو التسويات أو المواجهة، يجد لبنان نفسه مجددًا في عين العاصفة. جلسة نيابية رمزية، طائرات تحوم في الأجواء، ومبادرات تُطرح لتثبيت حيادٍ لا يبدو قابلًا للتحقق في ظلّ استمرار منطق السلاح والارتباطات الإقليمية.

وبينما يتحرك الأميركيون والإسرائيليون والمصريون على إيقاع هدنةٍ هشة في غزة، يبقى لبنان عالقًا في منطقة رمادية: لا حرب شاملة تُعلن، ولا تسوية تُحسم.

السابق
قائد الحرس الثوري: سنجعل أعداءنا يعيشون في الجحيم!
التالي
العثور على جثة امرأة داخل منزلها في عكار… والاشتباه بزوجها!