حين اختطف الدين… وكيف صارت الطائفية عقبة أمام التقدم العربي

القمة العربية

في عالم يتسابق فيه الآخرون نحو الذكاء الصناعي والفضاء والاقتصاد الرقمي، لا يزال العرب عالقين في دوامة من الجدل حول المذهب والطائفة، وكأنهم أسرى الماضي لا مواطنو المستقبل.

السؤال المؤلم هنا: كيف تحول الدين من طاقة روحية تجمع، إلى أداة سياسية تفرق وتعيق التقدم؟

الدين المختطف

لم يكن الدين يوما عدوا للعلم أو الحضارة. الإسلام في بداياته مثلا، دفع المسلمين إلى طلب المعرفة في كل مكان، فازدهرت العلوم والطب و الرياضيات والفلك والفلسفة.

لكن ما حدث لاحقا هو اختطاف للدين من قبل قوى سياسية ومذهبية حولته إلى وسيلة سيطرة، لا وسيلة نهضة.

صار رجل الدين بديلا عن المفكر، والفتوى بديلا عن البحث العلمي، والولاء للمذهب أهم من الولاء للوطن.

الطائفية… جدار ضد العقل

حين يصبح الانتماء الطائفي أعلى من الانتماء الوطني، تشل كل محاولات بناء دولة مدنية حديثة.

في لبنان، العراق، وسوريا، مثلا، تدار السياسات والمناصب وفق التوازن المذهبي لا الكفاءة.

وفي مثل هذه الأنظمة، لا مكان للإبداع العلمي، لأن الولاء أهم من الكفاءة، والمذهب أهم من المنهج.

الطائفية تخلق عقلا منغلقا لا يرى في الآخر شريكا له في الوطن بل خصما.

فتنهار الجامعات، ويهاجر العلماء، ويتحول الشباب من مبتكرين إلى جنود في جيوش الولاءات.

التدين الشكلي

من المفارقات أن المجتمعات العربية تظهر تدينا عاليا في المظاهر — الأدعية، الشعائر، الطقوس — لكنها في الواقع تعيش أدنى مستويات الأخلاق العامة والإنتاجية.

الغرب يستعمل الذكاء الصناعي للعلم و المعرفة ونحن نعمل كيف نمنتج و نجمل الصورة.

نحتفل بالمناسبات الدينية، لكن نغرق في الفساد الإداري والمالي والسياسي.

الإيمان الحقيقي لا يقاس بعدد الصلوات، بل بنتائج العمل وقيمة الإنسان وعدل الدولة.

حين احتكر الآخر التاريخ وصمتنا عن الحقيقة، في الوقت الذي تنفق فيه إسرائيل ملايين الدولارات سنويا على مراكز بحوث علمية و متخصصة في التاريخ والآثار واللغة، لتثبيت روايتها عن “أرض الميعاد”، لا يملك العرب حتى اليوم مؤسسات بحث جادة ترد علميا على هذا الخطاب.

فحين يتحدث نتنياهو عن “إسرائيل ارض الميعاد من الفرات إلى النيل”، يستند إلى رواية دينية، لكنها مدعومة بعمل أكاديمي وإعلامي ضخم يجعلها تبدو “حقيقة”.

أما نحن، فليس لدينا إلا ردود انفعالية ومواقف عاطفية لا تبني وعيا ولا تؤسس حقا تاريخيا.

التاريخ، في العالم المتقدم، سلاح معرفي يستخدم للدفاع عن الأرض والهوية.

لكن في العالم العربي، ترك التاريخ للصدف والموروثات والجهل.

لم تنشأ مراكز علمية و توثيقية عربية قادرة على تتبع الحقائق من مصادرها الأصلية، ولم تبن أرشيفات رقمية تحفظ ذاكرة فلسطين أو الشام أو العراق من التحريف المتعمد.

وللمفارقة، فإن الحقائق التاريخية موجودة:

ففلسطين ذكرت في العصور اليونانية والرومانية باسم فيلستيا (Philistia) أي أرض الفلسطينيين، أي قبل التوراة بقرون

لكن من الذي كتب عنها؟ ومن الذي علم أبناءه هذا التاريخ؟

لقد ترك العرب روايتهم تتلاشى، بينما حولها الآخرون إلى أدوات نفوذ سياسي وثقافي.

إن الدفاع عن التاريخ لا يكون بالشعارات، بل بالمعرفة المنظمة.

فالأمم التي لا تكتب تاريخها، سيكتب الآخرون تاريخها كما يشاؤون — ثم يقنعون العالم به.

الطريق إلى النهضة

النهضة لا تحتاج إلى التخلي عن الدين، بل إلى تحريره من الطائفية.

حين يعود الدين إلى مكانه الطبيعي، أي مجال الإيمان والضمير، يمكن للعقل أن يتحرر، وللعلم أن يتقدم، وللوطن أن يتوحد.

فالأمم لا تنهض بالمعجزات، بل بالمنهج، ولا بالتبرك، بل بالبحث، ولا بالدعاء، بل بالعمل الصادق.

السابق
من بيروت إلى صنعاء: غيابٌ تامّ للدولة
التالي
سباق الإنتخابات العراقية..بين نفق الأزمات ومستقبل التغيرات