هل تنجح الحكومة اللبنانية في كسر الحلقة المفرغة لقطاع الخليوي؟

Lebanon Telecom Internet

تأتي هذه المطالعة كنوع من المساهمة في النقاش العام والاستجابة لمسار إستشارة عامة إفتراضية Public Consultation عقب قرار مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة تشكيل لجنة وزارية مكلّفة بدراسة الخيارات المتاحة لإدارة قطاع الخليوي.

ستتولّى اللجنة البحث في مختلف السيناريوهات الممكنة، سواء من حيث إمكانيّة خصخصة القطاع جزئياً أو كلياً، أو من خلال المضيّ في خيار التعاقد على الإدارة والتشغيل، وذلك بعد استطلاع رأي الهيئة الناظمة للاتصالات. 

تهدف هذه الورقة إلى الإضاءة على بعض المقاربات العملية القابلة للتنفيذ، بما يساعد اللجنة على بلورة تصور متكامل يوازن بين كفاءة الإدارة وحماية المصلحة العامة.

مقاربة مختلفة تمامًا

في هذه المرحلة الدقيقة، هناك حاجة لإعادة هيكلة قطاع الخليوي من خلال مقاربة مختلفة تماماً عن الأساليب التقليدية التي أثبتت التجارب السابقة محدوديتها وفشلها في تحقيق الاستدامة والشفافية والكفاءة المطلوبة. فالمطلوب اليوم هو التفكير خارج الأطر المألوفة، والسعي إلى طرح حلول عملية قابلة للتنفيذ على المدى القصير.  

فبعد سنوات من التراجع في الأداء والإدارة، بات من الضروري اعتماد مقاربة واقعية انتقالية تُنفّذ بقرار حكومي دون الحاجة إلى استصدار قانون جديد من مجلس النواب، بما يسمح بالانطلاق فورًا في عملية إصلاحية متكاملة تضع أسس الحوكمة الرشيدة وتعيد الثقة بالقطاع.

تستند المقترحات المطروحة إلى تجارب لبنانية ناجحة سابقًا، أبرزها إنشاء شركتي Mobile Interim Company:  MIC1 وMIC2

في العام 2002 بموجب قرار صادر عن مجلس الوزراء دون أن تكونا مؤسستين عامتين، بل تخضعان لقانون التجارة، ما أتاح انطلاقة سريعة وفعّالة للقطاع في حينه. 

كما يستفاد من تجربة مصرف لبنان الذي إمتلك 99% من أسهم شركة طيران الشرق الأوسط في مرحلة انتقالية ناجحة هدفت لإعادة هيكلتها وطرح أسهمها في بورصة بيروت، وأصبحت شركة رابحة بعد ان تكبدت خسائر وديون بمئات ملايين الدولارات، وهي تجربة تؤكد إمكانية الجمع بين الملكية العامة والإدارة المهنية المستقلة. 

ويُضاف إلى ذلك النموذج القانوني الخاص بهيئة أوجيرو التي نُقلت إلى ملكية الدولة بموجب القانون رقم 21 لعام 1972، حيث تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، وتعمل خارج النظام العام للمؤسسات العامة، مكتسبة خبرة واسعة في إدارة البنية التحتية وشبكات الاتصالات الوطنية والدولية.

الخلل المزمن

كما يهدف هذا الطرح إلى تصحيح الخلل المزمن الناتج عن الجمع بين الملكية والتشغيل مما أدّى إلى تعطيل آليات القرار وتداخل الصلاحيات. لذلك، يعتمد المقترح على مبدأ الفصل بين الملكية والتنظيم والتشغيل، المنصوص عليه في قانون الاتصالات رقم 431/2002، وعلى المعايير الدولية المتّبعة والتي تؤكد ضرورة استقلال المشغّل عن الجهة المالكة لضمان الفعالية والرقابة المؤسسية. من أهداف هذا الطرح أيضًا تحييد قطاع الخليوي عن التقلبات السياسية، باعتباره مرفقًا عامًا ذا طابع وطني واستراتيجي يدرّ مئات ملايين الدولارات سنويًا. 

يقوم الاقتراح على تعزيز الشفافية والرقابة عبر إنشاء كيان مؤسسي خاضع لقانون التجارة هو شركة قابضة وطنية National Holding تعمل كـ SPV أو Special Purpose Vehicle، وتُدار بطريقة احترافية وتخضع لتدقيق مالي وإداري مستقل.

ما هو الاقتراح؟

يشكّل هذا الكيان المقترح الغطاء الإداري الذي يضمن استمرارية المرفق العام ويؤمّن بيئة مؤسساتية مرنة ومستقرة. تقوم هذه الشركة القابضة بحمل جميع أسهم الشركات التابعة التي تمثّل الأذرع التشغيلية للقطاع، وتشمل شركتي MIC1 وMIC2 القائمتين، إلى جانب مشغّل ثالث محتمل MIC3 وشركة للبنية التحتية TowerCo. 

تُشكّل TowerCo الكيان الوطني المسؤول عن تجميع وإدارة أصول البنية التحتية، بما فيها الأبراج ومحطات الإرسال ومصادر الطاقة والكابلات، وذلك لتقليل الهدر الناتج عن الازدواجية بين الشبكتين القائمتين ولتحسين الكفاءة التشغيلية. ويسمح هذا الدمج بإزالة الأكلاف المكرّرة وتسريع عملية الانتقال إلى شبكات الجيل الخامس 5G، فضلًا عن تهيئة الأرضية لإدخال مشغّل ثالث بكلفة منخفضة، كما هو معتمد في عدد من الدول التي تطبّق نموذج المشاركة في البنى التحتية.

من حيث الملكية، تبقى أسهم الشركة القابضة مملوكة بالكامل من الدولة اللبنانية، على أن توزّع على جهتين تتمتعان بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، بحيث يحمل مصرف لبنان نسبة خمسين في المئة من الأسهم بصفته ممثلًا للدولة كمالك للأصول المالية، وتحمل هيئة أوجيرو النسبة المتبقية بصفتها الجهة التقنية التابعة لوزارة الاتصالات. ويصدر مرسوم عن مجلس الوزراء يحدّد هذا التوزيع وآلية إدارة الشركة.

أما على صعيد الحوكمة، فيتألف مجلس إدارة الشركة القابضة من خمسة أعضاء، يُنتخب اثنان منهم، في الجمعية العامة، من قبل مصرف لبنان من ذوي الاختصاص في المال والتنظيم، ويُنتخب اثنان من قبل هيئة أوجيرو من ذوي الخبرة في إدارة الاتصالات، على أن يكون أحدهما رئيسًا لمجلس الإدارة ومديرًا عامًا، فيما يُعيّن مجلس الوزراء العضو الخامس من أصحاب الخبرة القانونية (ينتخبه حملة الأسهم وفقًا لتعليمات مجلس الوزراء). وتُناط بالقابضة مهمة انتخاب مجالس إدارة مستقلة للشركات التابعة المؤلفة من ثلاثة أعضاء لكل شركة، وتخضع جميع هذه الكيانات لرقابة الهيئة الناظمة للاتصالات وفقًا لأحكام القانون 431/2002، بما يضمن الإشراف المؤسسي والتوازن بين الكفاءة والاستقلالية.

يرتكز هذا النموذج إذاً على تجربة الجمع بين الملكية العامة والإدارة المهنية، كما في حال شركة طيران الشرق الأوسط MEA التي تخضع لقانون التجارة وتُدار بفعالية تحت إشراف مصرف لبنان. فالهدف ليس خصخصة القطاع، بل منحه استقلالية تشغيلية ضمن ملكية عامة واضحة، مع اعتماد نموذج هيكلي مرن يخضع لأحكام قانون التجارة، ما يتيح تفاعلًا أكثر شفافية مع القطاع الخاص والمستثمرين المحليين والدوليين.

تمثّل هذه الهيكلية مرحلة انتقالية قابلة للتطوّر في اتجاهين مستقبليين: الأول هو نقل ملكية الشركة القابضة لاحقًا إلى صندوق استثماري سيادي وطني National Sovereign Investment Fund يُنشأ بموجب قانون خاص يصدر عن مجلس النواب في حال تقرر ذلك، والثاني هو فتح المجال أمام تطبيق الشراكة بين القطاعين العام والخاص وفقًا للإطار القانوني القائم في هذا المجال. في الحالتين، يضمن النموذج المقترح انتقالًا سلسًا للأصول والإدارة بفضل بنيته القانونية والتنظيمية المتكاملة القائمة على الفصل الهيكلي أو البنيوي Structural Separation.

وبذلك، يُحافظ هذا النظام على ملكية الدولة الكاملة للقطاع مع تمكينه من العمل بكفاءة مؤسساتية واستقلالية تشغيلية. كما يتيح لمجلس الوزراء تعديل أو إعادة توزيع حملة الأسهم بين الكيانات العامة عند الحاجة، بما يحافظ على مرونة القرار والسيطرة الوطنية على المرفق العام.

إن اعتماد هذا المقترح من شأنه أن يعيد إلى قطاع الخليوي توازنه وديناميّته، وأن يؤمّن شفافية في الإدارة والتلزيمات، ويستعيد ثقة المواطنين والمستثمرين في آن واحد. كما يوفّر الإطار العملي لإطلاق شبكات الجيل الخامس وتعزيز التحول الرقمي في لبنان. 

لذلك، يُقترح إحالة هذه الورقة إلى اللجنة الوزارية المعنية لاعتمادها كخطة تنفيذية، بعد أخذ رأي الهيئة الناظمة للاتصالات ومصرف لبنان وهيئة أوجيرو، تمهيدًا للشروع بخطوات إعادة الهيكلة على أسس مهنية و مؤسساتية واضحة.

**خبير في إدارة الاتصالات

السابق
طقس مستقر يسيطر على لبنان حتى ليل الأحد!
التالي
تصعيد إسرائيلي متواصل على الحدود الجنوبية: خروقات جوية وبرية وتعرض مواطنين لإصابات