هيا.. تقدم أنت وحدك، أنت وحدك. حولك الكهان.. ينتظرون أمر الله. فأصعد أيها القربان نحو المذبح الحجري يا كبش الفداء… “فدائنا…”
محمود درويش
غزّة والمعركة الكبرى
لم يخطئ الشاعر اليوناني الكبير صاحب الكوميديا الإلهية “دانتي أليغييري” عندما قال: “لن ينجوا أحد من نار جهنم، وخصوصًا أولئك الذين يُحيّدون أنفسهم في المعارك الكبرى”، أولئك الذين يبيعون اليابس والأخضر في مزادات الشرف الوطني والقومي والأممي. هل أصبحت “عاصمة” التغريبة والموت الجماعي الفلسطيني، غزّة، “طروادة” العصر الحديث في سلسلة ملاحم “هوميروس”، من “الإلياذة” اليونانية وصولًا إلى إلياذة الشعب الفلسطيني وأرضه المحتلة؟ هل أصبحت المزايدات والصواريخ الصوتية على غزة الرماد سيدة الموقف أو سيّد المواقف الصوتية لدى البعض؟ “أيها الجمهور، ضج بشكل صحيح، لقد تاه قلبي، أيها المنتشون بمحض الصُراخ الملقّن والبث والذبذبة، لحظة الصمت أعظم إن صدقت، أنت أجب أيها الدم يا سيّد المعرفة”.
غزّة بين التاريخ والإبادة الجماعية
هل أصبحت غزّة المصلوبة على بوابات الشرق والغرب جزءًا لا يتجزأ من أكبر إبادة جماعية حصلت في التاريخ، والتطهير العرقي للشعوب السلافية (البولنديون والروس والبيلاروس والأوكرانيون وغيرهم) أثناء غزو ألمانيا النازية لأوروبا الشرقية والإتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية من عام 1939 إلى عام 1945، وفق الخطة النازية المعروفة باسم “جنرال بلان أوست”، والتي هدفت إلى التهجير الجزئي للغالبية من سكان المناطق المحتلة في شرق أوروبا والإتحاد السوفيتي إلى غرب سيبيريا، في حين تم استعباد البقية الباقية من السكان كعمال يتم التخلص منهم بعد توطين السكان الألمان في تلك المناطق. وهنا يطرح التاريخ السؤال التاريخي على نفسه: هل يعيد التاريخ نفسه؟ نعم، غزّة كانت هنا وكانت هناك، شاهدة وشهيدة إلى الأبد.
غزّة والمذبحة الصامتة
هل أصبحت غزة مجرد مذبحة صامتة على مقياس الحروب الصامتة التي تمت ببطء ولم يسمع بها الكثيرون، على غرار مذبحة قيادة جيوش الحلفاء في حق المدنيين الألمان بعد انتصارهم في الحرب العالمية الثانية؟ لم تكن مجزرة بشكل مباشر، كما تقول غزّة الشاهدة والشهيدة، بل جاءت على هيئة سياسة تجويع استمرت لسنين، حيث كان يُمنع وصول المعونة الغذائية لعدد من المدن الألمانية كنوع من الانتقام. رجّح المفكر الكندي James Bacque أن هذه السياسة الانتقامية قد أسفرت عن مقتل وتشريد ما يقارب 9 ملايين مدني ألماني. غزة المدينة التاريخية تجيد قراءة وكتابة التاريخ، وتجيد الدفاع الأسطوري عن أرضها وعزّتها وكرامتها الوطنية حتى النصر.
الذاكرة ضد النسيان
في “كتاب الضحك والنسيان” للروائي التشيكي ميلان كونديرا، توجد عبارة بليغة تقول: “إن نضال الإنسان ضد السلطة هو نضال للذاكرة ضد النسيان”. منذ بدايات القرن العشرين، يناضل الفلسطينيون ضد سلطة غاشمة احتلت الأرض وأنشأت عليها المستعمرات الاستيطانية، وأعمال القتل والتهجير، ثم أعلنت قيام دولة إسرائيل وفرضت على الفلسطينيين إما العيش دون دولة مستقلة وتحت الاحتلال في الجزء الشرقي من القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، أو حياة التغريبة والشتات.
السلطة الإسرائيلية الغاشمة لم تتوقف لحظة عن استخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين وضد جوارهم العربي، ولم تمتنع عن إشعال الحروب الكبيرة والصغيرة، كما يجري الآن في غزّة من تدمير وتهجير مُبرمج في عصر الذكاء الاصطناعي. دفن الأطفال والنساء أحياء يعكس غطرسة قوتها العسكرية وتحالفاتها الإجرامية.
هل أصبحت غزة مجرد مذبحة صامتة على مقياس الحروب الصامتة التي تمت ببطء ولم يسمع بها الكثيرون، على غرار مذبحة قيادة جيوش الحلفاء في حق المدنيين الألمان بعد انتصارهم في الحرب العالمية الثانية؟
النضال المستمر
كما يقول شاعر فلسطين: “لم نحلم بأكثر من حياة كالحياة”. كانت وما زالت أحزاب وحكومات الكيان الصهيوني تاريخيًا تعيق التوصل إلى تسوية سلمية حقيقية رغم كل المؤتمرات والمواثيق والاتفاقيات. ما زالت تمنع حتى هذه الأيام قيام دولة فلسطينية مستقلة وعودة اللاجئين من الشتات، وتواصل العصف بقرارات الشرعية الدولية التي أقرت الحقوق التاريخية للفلسطينيين في قيام الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
في مواجهة هذه السلطة الغاشمة، يناضل الشعب الفلسطيني نضال الذاكرة ضد النسيان والحياة ضد الموت. ما يجري في غزّة من موت غير الموت يفضح أمريكا وإسرائيل والغرب والشرق والساكتين عن الحق والنائمين على جثة الحقيقة، وفضح المقنعين الهكسوس والتتار والمغول. ما يجري في غزّة من إبادة جماعية بالآلة العسكرية الصهيو-غربية يجب أن ينتشر في كل أرجاء المعمورة بكل اللغات واللهجات.
غزّة بين الموت والحياة
غزة تموت كل ثانية، تُذبح كل دقيقة، تُحرق كل ساعة، وتُدفن كل ثانية. غزة الشاهدة على كل المجازر في هذا العالم الكوني المشبوه والمشوه تقوم كل ثانية، كل دقيقة، كل ساعة، وكل يوم من تحت الركام. هي الحياة والموت معًا، وهي القيامة. غزّة القادمة من أساطير وقيعان البحار والمحيطات القديمة هي الجنة وهي النار، هي الحنة والحنطة، حنة العروس وحنطة الفخار والصلصال. غزّة تنادي على من تنادي؟ لا حياة لمن تنادي. غزّة تجمع أشلاء أطفالها وبقايا المصاصات والحليب الناشف وقطرات الماء. غزّة شهيدة كل ثانية زمنية، كل دقيقة، كل ساعة كونية في نظريات النسبية والمطلق. غزّة شاهدة وشهيدة على مساحة هذه الأكوان اللانهائية، واللانهائية مجددًا ومجدّدًا ومجدّدًا. غزّة العزة والكرامة في هذا الزمن المخصي تموت وتقوم، تقوم وتموت، تموت وتقوم، تقوم وتقوم.
غزّة درب الجلجلة
غزّة، “مسيح” هذا العصر الحديث، تحمل صليبها، وتحمل أشلاء أطفالها الرضّع وجثامين شهدائها كلهم على كتفيها. تسير على درب الجلجلة مجددًا ومجدًا، كانت دائمًا تسير على هذا الدرب، شاهدة وشهيدة على صلب أخاها في الرضاعة (عيسى بن مريم آل عمران)، بتول هذه الأرض وكل أرض. تسير غزّة حاملة أشلائها وأشلاء كل من قضوا قصفًا وموتًا بكل أنواع الأسلحة المحرّمة وغير المحرّمة، من الإرهاب إلى الطائرات العامودية والحربية، الغواصات، الدبابات، الصواريخ، المدافع، القذائف العنقودية، الفراغية، الفسفورية، الذكية والغبية. وغزّة تسير حاملة أشلائها في هذا العصر النووي الغربي والشرقي أقوى من الجميع دون استثناء.
ما يجري في غزّة من موت غير الموت يفضح أمريكا وإسرائيل والغرب والشرق والساكتين عن الحق والنائمين على جثة الحقيقة
غزّة من النكبة إلى اليوم
تسير وتزور كل إخوتها وأخواتها ضحايا المجازر الصهيو-إسرائيلية من النكبة إلى النكبة. عيسى يرافقها حاملًا صليبه وسلاحه اليومي. تسير شاهدة وشهيدة على كل المجازر التي ارتكبتها العصابات الإجرامية الصهيونية المسلحة، من مجزرة “حيفا” في مارس 1937، مرورًا بمجزرة “الشيخ بريك” في ديسمبر 1947، إلى مذبحة دير ياسين 1948، ومذبحة قرية أبو شوشة 1948، والطّنطورة 1948، ومذبحة قبية 1953، وقلقيلية 1956، وكفر قاسم 1956، وخان يونس 1956، وتل الزعتر 1976، وصبرا وشاتيلا 1982، والمسجد الأقصى 1990، والحرم الإبراهيمي 1994، ومخيم جنين 2002.
تلف غزة الأرض والسماء حاملة أشلائها، تزور كل مخيم، كل مجزرة، وكل ضحية، وتعود إلى غزة العزة، إلى غزة الكرامة، إلى مستشفى المعمداني، إلى مستشفى القدس، إلى مخيم جباليا، جبل الصوان الفلسطيني. تدفن أشلائها، وتقوم مجددًا، وتعود مجددًا، وتتابع سيرها.
إقرأ أيضا: «رسالات» موقعة الصخرة.. بين المأساة والملهاة !

