على الرغم من الإيجابية الشكلية التي أحاطت بلقاء رئيس الجمهورية جوزف عون مع رئيس الحكومة نواف سلام في قصر بعبدا، فإن المشهد لم يحمل اختراقاً نوعياً في جدار الأزمة التي انفجرت بعد تظاهرة “حزب الله” في منطقة الروشة الأسبوع الماضي.
فاللقاء، الذي وُصف بأنّه جلسة “مصارحة ومكاشفة”، انتهى بالاتفاق على استمرار التنسيق بين الرئاستين في الملفات الحكومية، من دون أن ينجح في تبديد التوتر أو إزالة الترسبات التي خلفتها حادثة الروشة.
عون شدّد خلال الجلسة على أن “المسّ بالجيش خط أحمر، ولا يجوز التطاول على رئاسة الحكومة”، لكنه أشار إلى أن التشاور المسبق كان كفيلاً بتفادي الإشكال. أما سلام، فرأى أن ما حصل مثّل “مسّاً بهيبة الدولة” وفرض عليه اتخاذ الموقف الذي اتخذه. هكذا خرج الطرفان بتفاهم هشّ على إدارة المرحلة، أكثر مما هو اتفاق صلب على طي صفحة الخلاف.
نصاب معطّل وخلاف دستوري في البرلمان
في ساحة النجمة، لم يكتمل نصاب الجلسة التشريعية التي دعا إليها رئيس المجلس نبيه بري استكمالاً لجلسة الاثنين. فحضر 48 نائباً فقط، ما دفع بري إلى إرجاء الجلسة إلى موعد غير محدد.
لكن الحدث الأبرز كان “الاجتهاد الدستوري” الذي أطلقه نائب رئيس المجلس الياس بو صعب، حين اعتبر أنّ القوانين السبعة التي أُقرت في جلسة الاثنين تبقى “مجمّدة” إلى حين إقفال محضر الجلسة في موعد لاحق. هذا التفسير أثار رفضاً قاطعاً من قوى المعارضة، التي شدّدت على أنّ القوانين نافذة بمجرد إقرارها.
النائب جورج عدوان أعلن باسم “القوات اللبنانية” أن ما جرى ليس تعطيلًا بل محاولة لتصويب مسار عمل المجلس، مؤكداً أنّ القوانين باتت نافذة “إلا إذا أردنا فتح باب اجتهاد جديد”. بذلك دخل مجلس النواب في سجال دستوري يزيد المشهد السياسي والانتخابي تعقيداً، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاق النيابي وتفاقم التجاذبات حول تصويت المغتربين.
ملف الروشة إلى القضاء
على خطّ موازٍ، سطر النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار بلاغي بحث وتحرّ بحق شخصين من المسؤولين عن إضاءة صخرة الروشة، بعد رفضهما المثول أمام التحقيق. هذا التطور القضائي يضع الملف في دائرة متابعة دقيقة، خصوصاً أنّ حادثة الإضاءة كانت الشرارة التي فجّرت التوتر السياسي الأخير.
إسرائيل وإيران: التحضير لمواجهة جديدة
إقليمياً، أعادت إسرائيل التلويح بخيار التحرك ضد إيران. فقد كشف مسؤول كبير في الجيش الإسرائيلي أن تل أبيب “تستعد لسيناريوهات عدة، أحدها توجيه ضربة جديدة لإيران”، مشيراً إلى أن طهران “تلقت ضربة موجعة” في المرحلة الماضية وباتت تدرك حجم الضرر الذي أصاب قدراتها.
هذا التهديد يعكس استمرار التصعيد بين الطرفين بعد حرب الأيام الأخيرة، ويعيد فتح باب التكهنات حول مدى اقتراب مواجهة أوسع قد تشمل ساحات أخرى في المنطقة.
غزة بين خطة ترامب وموقف حماس
في موازاة ذلك، تتواصل المفاوضات المعقدة بشأن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف إطلاق النار في غزة. مصادر قريبة من “حماس” أكدت أن الحركة تدرس تعديلات على الخطة، خصوصاً ما يتصل ببند نزع السلاح وإبعاد المقاتلين عن القطاع.
النقاش داخل أروقة الحركة منقسم بين تيار يؤيد الموافقة غير المشروطة لتفادي المزيد من الدمار، وآخر يصرّ على التحفظ على البنود التي يعتبرها “تمسّ جوهر المقاومة”.
في المقابل، شدّد رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في مقابلة مع قناة الجزيرة، على أن “الهدف الرئيسي هو إنهاء الحرب”، لكنه أقرّ بأن خطة ترامب تحتاج إلى “مزيد من التوضيحات”، وخصوصاً في ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي من القطاع.
لوحة سياسية–إقليمية متشابكة
هكذا، بدا المشهد اللبناني أمس امتداداً لصورة إقليمية مضطربة:
في الداخل، مصارحة بين عون وسلام لم تتحول إلى مصالحة، ونصاب نيابي متعثر يعكس عمق الانقسام السياسي.
في الإقليم، إسرائيل تلوّح بعملية عسكرية ضد إيران، فيما تغوص حماس في نقاش داخلي حول قبول أو رفض خطة ترامب للسلام.
بين هذه المحاور، يبقى القاسم المشترك هو غياب الحلول الحاسمة، واستمرار المراوحة في مربعات الخلاف، بما يجعل الأسابيع المقبلة مرشحة لمزيد من التصعيد السياسي والأمني سواء في بيروت أو غزة أو طهران.
اقرا ايضا: وقفة تضامنية مع الشيخ عباس يزبك أمام الأمن العام: لمنع التسييس والضغط والترهيب

