الشجرة: فلسفة الحياة ومعنى البقاء

غابة يحشوش

انظروا إلى الشجرة كيف تنمو حول جراحها.

إذا انكسر غصن، تألّمت، لكنها تعود فتجمع قواها، وتواصل رحلتها نحو العُلا ببراعم جديدة.

الحياة تستمر خضراء، والشجرة الصامدة توزّع بذور الحب من جديد، وتُنشئ حولها شتائل واعدة تمتد جذورها عميقًا في الأرض، بحثًا عن الدفء والماء.

مع كل ربيع، تنشد الشجرة فرح السماء.

وفي طقوس منتظمة، تتعرّى أوراقها، فيسترها الشتاء بغيث غزير يطهّر جسدها مما علق به قسرًا أو قهرًا.

ثم تحلّ من جديد في أجمل ثوب صلاة.

إنها شجرة تقاوم،

في كل مرحلة من حياتها تصنع رحلتها، تنسج حكايتها، وتتكامل مع ما حولها لتؤلف صورة تنبض بالحياة والجمال.

الشجرة: ذاكرة ومرآة للوجود

ليست الشجرة مجرد نبات في الطبيعة، بل هي ذاكرة ومرآة.

فيها تتجسّد فلسفة الوجود كما لم يكتبها فيلسوف، لأنها تكتب نفسها في صمت الزمن. جذورها تقول معنى الثبات، أغصانها تقول معنى الحرية، ثمارها تقول معنى العطاء، وأوراقها المتساقطة تقول إن الموت ليس فناءً بل عبور نحو دورة جديدة.

لقد شكّلت الشجرة الوعي الإنساني منذ البدايات. تحتها جلس الإنسان الأول يتأمل، منها تعلّم أن يقتات وأن يحتمي وأن يدفئ ليله الطويل. هي المعلم الأول للفكر، وأول كتاب مفتوح على التأمل. ومن خلالها أدرك أن الوجود ليس خطًا مستقيمًا، بل دائرة متكرّرة، موت يتبعه تجدد، خسارة يعقبها امتلاء.

في لبنان، تُصبح الشجرة أكثر من رمز طبيعي، إنها صورة كينونة كاملة. الأرز الذي يعلو فوق الجبال لم يكن صدفة شعارًا لوطن، بل إعلانًا فلسفيًا عن البقاء رغم العواصف. الزيتون الذي يتجذّر في الأرض القاحلة لم يكن محصولًا زراعيًا وحسب، بل خطابًا صامتًا عن الصبر والصلابة. والتين، الذي يثمر في قساوة الصيف، لم يكن مجرد ثمرة موسمية، بل درسًا في الكرامة والاكتفاء.

لكن الإنسان الحديث أدار ظهره لهذا المعلم الصامت. لم يعد يرى في الشجرة سوى خشب يُقطع أو مساحة تُبنى فوقها الإسمنت. فقد العلاقة الروحية التي شكّلت أساس وعيه الأول. ومع هذا الفقد، خسر توازنه الداخلي، لأن الثقافة التي لا تصغي إلى الطبيعة تتحوّل إلى فراغ.

درس الشجرة للبنان والإنسان

الواقع اللبناني اليوم شاهد على هذا الانفصال. بلد يُشبه جذعًا مثخنًا بالجراح: حرب هنا، أزمة مالية هناك، هجرة تنهش الأغصان، وانقسامات تذرو الأوراق. ومع ذلك، ثمة حياة تنبثق من بين الشقوق. في الأسواق، يواصل الباعة عرض الزعتر والخبز، كأنهم يزرعون الأمل في قلب الخراب. في القرى، تواصل النساء إعداد المونة، كأنهن ينسجن خيوط بقاء جماعي في زمن العوز. في الجامعات، يكتب الطلاب بحبرٍ قليل لكن بعناد، كأنهم براعم صغيرة تخترق قسوة الصخر.

أليست هذه الصور تجسيدًا للدرس الشجري؟ جرحٌ يُنبت حياة، انكسارٌ يُنتج قوة، عُريٌ يتبعه ثوب جديد.

الفلسفة التي تقولها الشجرة بلا خطاب:

▪︎ لا معنى للبقاء بلا جذور.

▪︎ لا قيمة للحرية بلا امتداد نحو السماء.

▪︎ لا مستقبل لمجتمع يتنافر بدل أن يتكامل كما تتكامل الأشجار في الغابة.

هنا يصبح السؤال:

كيف نريد أن نكون؟ هل نكتفي بأن نكون أوراقًا تسقط مع كل ريح؟ أم نكون جذورًا تضخّ في التربة حياةً جديدة؟ هل نبني مجتمعًا يستهلك ذاته كما يستهلك غابة بلا تفكير؟ أم نعيد الإصغاء إلى الطبيعة، لنستعيد القدرة على التوازن، ونستعيد القيم التي تحفظنا من الذبول؟

الشجرة، في عمقها الفلسفي، نقد للحداثة الفارغة التي اختزلت القوة في المال، والتقدم في السرعة، والمعنى في الاستهلاك. وهي في عمقها الجمالي، إنقاذ للإنسان من نسيان ذاته. أن تنظر إلى شجرة، هو أن تتذكر أنك جزء من دورة كبرى، لا فردًا منعزلًا في صراع عبثي.

إنها دعوة إلى أن نعيد بناء وعينا الثقافي والحضاري على مثالها:

▪︎ ثبات في الجذور، وانفتاح في الأغصان.

▪︎ عطاء في الثمار، وتواضع في العُري.

▪︎ صبر على الفصول، وتجدد مع كل ربيع.

وهذا ما يحتاجه لبنان اليوم، ليس في خطابه السياسي وحده، بل في عمق وعيه الاجتماعي والثقافي. أن يتذكّر أن بقاءه لا يقوم على الانقسام بل على الجذور المشتركة، ولا يقوم على الشعار بل على الفعل، ولا يقوم على الاستهلاك الأعمى بل على العطاء المتجدد.

الشجرة ليست مجرد صورة جمالية. إنها أفق فلسفي مفتوح، دعوة نقدية للإنسان كي يصغي من جديد إلى الطبيعة، ويعيد إليها مكانتها في تشكيل الوعي. من دون هذا الإصغاء، لا حضارة تستمر، ولا ثقافة تنمو، ولا وطن يُبنى.

اقرا ايضا: علي حمادة لـ«جنوبية»: القمة العربية الإسلامية في الدوحة موجّهة لـ«واشنطن» والوساطة القطرية مجمّدة

السابق
العدالة لا المصارحة والمصالحة هو الطريق للبنان الحديد
التالي
القضية الكردية على طاولة «جنوبية»: رؤية فوزة اليوسف لسوريا الجديدة