في صباح بارد، وجدت حسين، الطالب اللامع الذي فقد والديه في حادث سير، يعمل في محل لتصليح الدواليب بدلًا من الجلوس على مقاعد المدرسة. غياباته المتكررة أثارت قلقي، فقررت زيارته. جلسنا معًا نتقاسم مناقيش على الساج، وحدثته عن المستقبل. وعدته أن أزيد مصروفه الأسبوعي ليساعده على التنقّل وتأمين حاجاته مثل بقية زملائه. ابتسم وعاد إلى مقاعد الدراسة. أنهى الشهادة المتوسطة المهنية، ثم سافر إلى ألمانيا حيث واصل دراسته. سنوات طويلة مرّت من دون تواصل، حتى عاد إلى لبنان، وكان أول ما فعله أن زارني. قال يومها إن ما غرسناه معًا لم يكن مجرد دروس، بل حياة كاملة.
هذه الحكاية تختصر معنى التعليم في لبنان. فالمعلم ليس موظفًا يؤدي واجباته، بل حامل رسالة تتجاوز الحبر والكتاب. هو من يبني صلة بين القيم المتجذرة في بيئتنا والجيل الجديد الذي يواجه تحديات العولمة والانهيار.
التعليم أكبر من المنهج
يمكن تطوير المناهج إلى حد الكمال، لكن المنهج يظل ورقًا جامدًا إذا لم يزرع في الطالب جذوره الأصيلة.
الطالب في لبنان ليس كائنًا معزولًا. هو ابن جبل أو بحر، ابن قرية أو مدينة، يحمل في وجدانه رائحة الزعتر على التلال وصوت المؤذن والجرس في القرى المتجاورة. التعليم الذي يتجاهل البيئة والجغرافيا والعادات يخرج بلا روح.
قيم من الأرض إلى الصف
التكافل الذي نراه في القرى اللبنانية حين يتشارك الناس الحصاد أو يقيمون الأعراس معًا.
التعددية التي تعكسها الطوائف والأديان المتجاورة، والتي يمكن أن تتحول من انقسام إلى غنى إذا غرسنا في الطلاب احترام الآخر.
احترام البيئة التي تعطي وتئنّ في الوقت نفسه، فالليطاني ليس مجرد نهر بل شريان حياة.
نبذ الكراهية والظلم والتعسّف، التي دفع لبنان ثمنها حروبًا وتهجيرًا.
المعلم هو من ينقل هذه القيم عبر الممارسة اليومية: في كيفية التعامل مع الطالب المختلف، في كلمة تشجيع للمتردد، في موقف ضد الظلم في الصف.
التعليم… أثر لا يمحى
الأثر الحقيقي للمعلم يظهر بعد سنوات، حين يكتشف الطالب أن القيم التي تعلّمها في الصف هي التي صاغت شخصيته. حسين ليس سوى مثال واحد. هناك آلاف مثله ممن وجدوا في كلمة معلم أملًا، وفي موقفه سندًا، وفي إنسانيته مرآة لمستقبل أفضل.
رسالة تتجاوز الراتب
قد يعيش المعلم في لبنان تحت ضغوط اقتصادية خانقة، لكن قيمته لا تُقاس بالدخل. أثره يُقاس بالجيل الذي ينهض من تحت الركام ليبني وطنًا جديدًا.
التعليم ليس دروسًا ولا امتحانات. هو زراعة قيم التكافل، التعددية، احترام الآخر، صون البيئة، ونبذ الكراهية. هو صناعة أجيال تعرف كيف تحوّل الوجع إلى نهضة، والاختلاف إلى ثراء. التعليم، ببساطة، هو تحويل الكلمة إلى أثر لا يزول.
اقرا ايضا: تسليم سلاح المخيمات: انجاز لبناني فلسطيني بانتظار مصير سلاح «الحزب»..

