تسليم سلاح المخيمات: انجاز لبناني فلسطيني بانتظار مصير سلاح «الحزب»..

في مشهد سياسي وأمني بالغ الدلالة، استُكملت المرحلة الرابعة من عملية تسليم السلاح داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان، حيث جرى في مخيم البداوي تسليم ثلاث شاحنات محمّلة بالأسلحة، وفي عين الحلوة خمس شاحنات أخرى، لتوضع جميعها في عهدة الجيش اللبناني. هذه الخطوة التي تجري ضمن خطة متدرجة تهدف إلى إنهاء ملف السلاح الفلسطيني بشكل كامل، ترافقت مع استمرار الغارات الإسرائيلية على مواقع حزب الله، وارتدادات الضربة التي استهدفت وفد حركة “حماس” في الدوحة، وصولاً إلى تبني الأمم المتحدة “إعلان نيويورك” المؤيد لحل الدولتين. مشهد معقد يعكس تقاطع الملفات اللبنانية – الفلسطينية – الإقليمية في لحظة محورية.

المرحلة الرابعة من تسليم السلاح

بحسب ما أعلنته قيادة الجيش اللبناني، فقد تسلمت وحداته المختصة ثماني شاحنات محمّلة بأنواع مختلفة من الأسلحة والذخائر، بينها ألغام وأسلحة متوسطة ومضادات طيران. هذه المرحلة تأتي تتويجاً لمسار انطلق بغطاء سياسي لبناني – فلسطيني مشترك، وبالتحديد بناءً على التفاهم الذي أعلن في البيان المشترك بين الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون والرئيس الفلسطيني محمود عباس.

وأعلنت قيادة الجيش في بيان ان “استكمالًا لعملية تسلُّم السلاح من المخيمات الفلسطينية، تسلَّمَ الجيش حمولة ٥ شاحنات أسلحة من مخيم عين الحلوة – صيدا و٣ شاحنات من مخيم البداوي – طرابلس.

من جهتها، أكدت قوات الأمن الوطني الفلسطيني، أن الخطوة تعبّر عن التزام منظمة التحرير الفلسطينية بقرار التخلي عن السلاح داخل المخيمات وتسليمه للجيش اللبناني، معتبرة أنها تفتح الباب أمام تحسين الأوضاع المعيشية وتعزيز الاستقرار في محيط المخيمات.

لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني وصفت المبادرة بأنها “محطة جديدة في مسار إنهاء ملف السلاح الفلسطيني بشكل كامل”، مؤكدة أن العملية تشكّل ترجمة فعلية للشراكة بين الطرفين. البيان شدّد على أنّ هذه الخطوة توازي في رمزيتها أي اتفاق سياسي، لأنها تؤسس لمرحلة جديدة من العلاقة المتوازنة، حيث يُبنى الاستقرار على قاعدة الثقة والالتزام المتبادل.

التناقض الداخلي: حزب الله متمسك بسلاحه

في مقابل هذه الخطوات، يبرز المأزق الداخلي المتمثل بسلاح حزب الله. فبينما تُسلَّم شاحنات الأسلحة الفلسطينية إلى الجيش اللبناني، يعلن الحزب جهاراً رفضه لأي بحث في مسألة حصرية السلاح. الأمين العام الشيخ نعيم قاسم اعتبر أن الضغط على المقاومة “خيانة تصب في مصلحة إسرائيل”، فيما شدد النائب محمد رعد على أن “سلاح المقاومة أكثر شرعية من الحكومة نفسها”.

هذا الموقف يعقّد مهمة الدولة اللبنانية أمام المجتمع الدولي، الذي يطالب بتطبيق قرارات الأمم المتحدة وحصر السلاح بيد الجيش. في الوقت نفسه، تستمر إسرائيل في غاراتها اليومية على مواقع الحزب في الجنوب والبقاع، معتبرة أن الحزب يواصل إعادة بناء ترسانته بدعم من إيران رغم الضغوط.

اعلان نيويورك وتبني حلّ الدولتين

لم يغب البعد الإقليمي عن المشهد. فقد دان مجلس الأمن الدولي الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قادة “حماس” في الدوحة، في بيان نادر توافقت عليه واشنطن، معبّراً عن “تضامن كامل مع قطر”. هذا الموقف يكرس موقع الدوحة كوسيط محوري إلى جانب القاهرة وواشنطن في مسار التهدئة بغزة.

بالموازاة، صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على “إعلان نيويورك” الداعم لحل الدولتين، بأغلبية 142 دولة. ورغم اعتراض إسرائيل والولايات المتحدة، فإن التبني الكاسح للقرار يعكس تحوّلاً في المزاج الدولي لصالح تثبيت حق الفلسطينيين في دولة مستقلة، ما يعيد رسم حدود النقاش السياسي حول مستقبل المنطقة.

بين تسليم السلاح الفلسطيني في لبنان، وإصرار حزب الله على التمسك بترسانته، مروراً بالتصعيد الإسرائيلي، وضربة الدوحة، وقرار الجمعية العامة في نيويورك، يقف لبنان والمنطقة عند مفترق طرق. التجربة تثبت أن أي مسار داخلي لبناني لا ينفصل عن الحسابات الإقليمية والدولية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا بتوازن دقيق بين الحقوق الوطنية والسيادة الكاملة. وفي ظل هذه المعادلة، يشكل تسليم سلاح المخيمات خطوة جريئة، لكنها تفتح في الوقت نفسه باباً واسعاً على أسئلة أكبر: هل يمكن تعميم التجربة؟ وهل يمتلك لبنان القدرة السياسية على حسم ملف السلاح غير الشرعي، أم أن التناقضات ستبقيه عالقاً بين المبادرات الجزئية والانفجارات الكبرى؟

اقرا ايضا: إعلان نيويورك لحلّ الدولتين: كل ما تريد أن تعرفه عن قرار إقامة دولة فلسطينية

السابق
إعلان نيويورك لحلّ الدولتين: كل ما تريد أن تعرفه عن قرار إقامة دولة فلسطينية
التالي
الجفاف يهدد مستقبل الأمن الغذائي.. الصحف الإيرانية: جدل حول الإتفاق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية