«غزّة على الصليب»..كتاب جديد لحسن خضر يكشف المسكوت عنه عربيًا ودوليًا

غزة

الكتاب الصادر حديثًا عن “دار رياض الريس” في بيروت (في طبعة أولى 2025)، تحت عنوان: “غزّة على الصليب (أخطر حروب الصراع في فلسطين وعليها)”، هو كتاب جديد للكاتب والناقد الفلسطيني حسن خضر.

هذا الكتاب يضمّ مجموعة مقالات متتابعة عامرة بآراء الكاتب السياسية والنقدية الكاشفة، إذ يتناول المسكوت عنه عربيًا ودوليًا بشأن الحرب في غزّة وعليها. وهو كتاب يتمحور – تحديدًا – حول خصوصيّة الحرب الحالية على غزّة، من حيث أسبابها وخلفياتها ونتائجها المباشرة وغير المباشرة، وأبعاد كلّ ذلك وتداعياته الآنية والمستقبلية.

الكتاب لا يتناول وقائع الحرب الميدانية نفسها إلا كنقطة انطلاق تفسيرية لما يشكّل خصوصيّة هذه الحرب، التي هي – كما هو معلوم – حرب الإبادة الجماعية التي يشنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي على غزّة، وما زالت مستمرة ومتواصلة منذ أكثر من عامين حتى الآن، والتي بدأت عقب الهجوم الذي قامت به حركة حماس على مواقع لجيش الاحتلال صباح السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023.

خصوصيّة هذه الحرب، كما يصفها خضر، نابعة من عنفها الإسرائيلي غير المسبوق في تاريخ الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وهي خصوصية متمثّلة، وفق وصفه الدقيق، في كونها حرب الصراع على دور القوّة الإقليمية في الشرق الأوسط.

بنية الكتاب ومحاوره

يعالج الكاتب موضوعه في متن مؤلّف من اثني عشر محورًا، مؤطّرًا بنص إهدائي، ونص تقديمي، ونص ختامي.

وفي نص الإهداء، يقول الكاتب:

“لم تحتلّ تضحيات وعذابات وآلام الناس العاديين في فلسطين ولبنان مكانة المتن في هذا الكتاب، ولكنّها كانت في صميم كلّ ما تجلّى فيه من أفكار وتحيّزات تُعاند السائد والمألوف، لعلّ فيها ما يُسدّد بعض الدَّين لأصحابه”.

“إنّ ثمّة ما يُحتضر، وما أصيب بجراح قد تقتله أو تشفيه، وثمّة ما يُولَد، في الحواضر العربية، في سياق الحرب الدائرة الآن” (ص 98).

مقتطفات من نص التقديم

يقول الكاتب:

“يضمّ هذا الكتاب بين دفتيه قراءات وتحليلات واكبت اندلاع الحرب منذ أيّامها الأولى. وبما أنّ المساحة التي توفّرها الجريدة اليومية محدودة، في الغالب، فإنّ قدرة الكاتب على الاستطراد والتأويل تبقى محدودة أيضًا، خصوصًا إذا ما تعلّق الأمر بحدث من عيار كبير وثقيل. لذا، يولّد الاختزال المطلوب لأسباب تقنية ومهنية إحساسًا دائمًا بأنّ كلّ ما ينبغي أن يُقال لم يُقل بعد”.

ويضيف:

“إرادة التحرّر من قيد الاختزال، التي تتجلّى هنا في ملاحظات إضافية بأثر رجعي، لا تمثّل الدافع الوحيد لإعادة النشر، بل أيضًا القناعة بأنّ ما يتصل بحرب ستتعدّد وتتباين بشأنها القراءات، يُبقي الباب مفتوحًا، بالضرورة، أمام اجتهادات وسجالات كثيرة، على مدار سنوات طويلة لاحقة”.

ويتابع موضحًا:

“إذا كان من الصعب بالنسبة إلى قراءة آنيّة للأحداث أن تدّعي لنفسها القدرة على تشخيص الواقع بعين المؤرّخ، فإنّ في وسعها أن تدّعي دائمًا أنّها شهدت اللحظة التي تشكّل فيها التاريخ كعاصفة عاتية وعمياء من الصلصال الحار”.

ويكمل:

“الرهان هنا أن تُسهم هذه النصوص، وقد صارت تحت عنوان جامع، في إظهار ما يسري فيها من وحدة المنطق وتسلسله في تناول قضايا وأفكار تحظى بأولويّة خاصة في نظري”.

ثم يوضّح أنّ الهموم الفكرية الأساسية التي مثّلت الخيط الناظم لكل هذه القراءات تتمثّل في:

لكل حرب حياتها الخاصة، لذا فإنّ المجازفة بالحكم عليها استنادًا إلى حسابات نهائية وقاطعة، بما فيها الربح والخسارة، سابق لأوانه.

الحرب لا تقتصر على المتحاربين في الميدان، بل هي حرب بين روايات لا تقلّ ضراوة عن حروب الميدان، وغالبًا ما تكون حقيقة الحرب ضحيّة الرواية الأقوى.

استحالة القبض على الدلالات العميقة للسلوك الإسرائيلي ما لم يُشخّص كترجمة لصعود القوّة الإقليمية وطموحاتها.

ويحذّر الكاتب من اختزال الحرب في هجوم السابع من أكتوبر فقط، معتبرًا ذلك انتحارًا سياسيًا وأخلاقيًا.

خاتمة الكتاب: تداعيات مفتوحة على المستقبل

يختتم الكاتب كتابه بتأكيد أنّ ما نراه اليوم في أفق مجلّل بضباب الحرب لن يبقى على حاله بعد صمت المدافع، مشيرًا إلى أنّ للحروب تداعيات غير مرئية قد تكون أخطر من نتائجها المباشرة. كما يشير إلى أنّ الصراع في فلسطين تحوّل جذريًا بعد السابع من أكتوبر، وأنّ المسألة الفلسطينية ستظل قضية مركزية في القرن الواحد والعشرين، شبيهة بما مثّلته “المسألة اليهودية” بعد الحرب العالمية الثانية.

وفي النهاية، يطرح الكاتب سؤالًا استراتيجيًا:

هل تملك إسرائيل ما يكفي من الموارد والرؤى لفرض “السلام الإسرائيلي”؟

ليجيب بوجود شكوك جدية في هذا الشأن، في ظل تغيّر البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط ودخول تقنيات جديدة مثل المسيّرات والحرب السيبرانية، بما يفتح الباب أمام قوى غير دولانية لزعزعة الاستقرار الإقليمي.

“الحرب الدائرة الآن هي حرب الصراع على دور القوّة الإقليمية. وبما أنّها كذلك فإنّ بلاد الشام هي مجالها الحيوي وميدانها المفتوح” (ص 222).

الخلاصة

يقدّم كتاب “غزّة على الصليب (أخطر حروب الصراع في فلسطين وعليها)” للكاتب الفلسطيني حسن خضر قراءة تحليلية عميقة للحرب المستمرة على غزّة منذ السابع من أكتوبر 2023، باعتبارها أخطر حروب الصراع في المنطقة وأوسعها تأثيرًا على موازين القوى الإقليمية. ينطلق المؤلّف من مقالات نقدية صاغها خلال عامين، ليكشف المسكوت عنه عربيًا ودوليًا، ويؤكّد أنّ هذه الحرب ليست مجرّد مواجهة عسكرية، بل صراع على دور القوّة الإقليمية في الشرق الأوسط، تتداخل فيه الروايات والدعاية بقدر ما تتقاطع فيه الجغرافيا والمصالح. الكتاب يربط بين تداعيات الإبادة الجماعية في غزّة، ومستقبل القضية الفلسطينية، وتحولات النظام الإقليمي، في ظل سؤال جوهري: هل تملك إسرائيل ما يكفي لفرض سلامها بالقوة؟

اقرا ايضا: من العسكرة الى كنف الدولة: هل بدأ مسار جديد للمخيمات الفلسطينية؟

السابق
من العسكرة الى كنف الدولة: هل بدأ مسار جديد للمخيمات الفلسطينية؟
التالي
أحمد الشرع «تنازل» عن الجراح التي سبّبها «الحزب»: على لبنان أن يستفيد من نهضة سوريا