تشهد المخيمات الفلسطينية في لبنان مرحلة حساسة قد ترسم ملامح مستقبلها الأمني والسياسي، في ظل التطورات الأخيرة التي بدأت من مخيم برج البراجنة. حادثة مصادرة شحنة أسلحة من قبل الجيش اللبناني تحولت إلى قضية رأي عام، أثارت جدلاً واسعًا بين من اعتبرها خطوة نحو فرض سيادة الدولة، ومن رأى فيها استهدافًا لرمزية السلاح الفلسطيني. وبين التباينات في المواقف، برزت إشارات إلى مسار جديد يقوم على الشراكة بين الدولة اللبنانية والسلطة الفلسطينية، بعيدًا عن الفوضى والعسكرة التي حكمت المخيمات لعقود. فهل يكون هذا التحول بداية عهد جديد، أم أنّ الخطاب التصعيدي للفصائل سيعيد الأمور إلى نقطة الصفر؟
بلبلة..ومصطادون بالماء العكر
أشار مصدر فلسطيني مطّلع على الملف إلى أن ما حصل بشأن شاحنة الأسلحة التي صادرها الجيش من مخيم برج البراجنة أثار بلبلة ووُضع في غير إطاره الصحيح، الأمر الذي أساء إلى الدولة اللبنانية وحركة “فتح” والفلسطينيين عموماً. وأضاف المصدر أن هناك من حاول استغلال القضية لتسجيل مواقف عبثية والحصول على دعم من هنا أو هناك.
ورأى المصدر أنّه كان من الأجدر بالجيش اللبناني إصدار بيان واضح قبل عملية التسليم والدخول إلى مخيم برج البراجنة، بهدف وضع الرأي العام أمام الصورة الكاملة، وعدم ترك المجال للمتصيدين في الماء العكر أو المستغلين للتلطّي وراء هذه الحادثة لإطلاق تصريحات فارغة. وأوضح المصدر الفلسطيني، الذي رفض الكشف عن اسمه تفادياً لإحراج حركة “فتح”، أن غياب البيان الرسمي فتح الباب أمام التأويلات.
واعتبر المصدر أنّ بعض الشخصيات المحسوبة على السفير أشرف دبور بدأت بإطلاق تصريحات تهدف إلى توتير الأجواء، رغم أنّ دبور موجود حالياً في عمّان بعد سحب مهماته في لبنان. غير أنّ أصوات المحسوبين عليه ما زالت ترتفع في بيروت، مدفوعة بمصالح شخصية من دون اكتراث للنتائج المترتبة على تلك المواقف.
ولفت المصدر إلى أنّه بعد إلقاء الجيش القبض على أحد المطلوبين الفلسطينيين، اعترف بوجود أسلحة داخل مخيم برج البراجنة من دون علم حركة “فتح”. وعلى هذا الأساس توجّه الجيش لمصادرة الشحنة، غير أنّ الأمر صُوِّر وكأنّه “تسليم للسلاح الفلسطيني داخل المخيمات”، في حين أنّ المسألة برمّتها تندرج ضمن العمل الأمني الروتيني للقوى الأمنية اللبنانية.
مسار جديد في واقع المخيمات!
وعن التوظيف السياسي لهذه الحادثة التي يعتريها الكثير من الملابسات، تواصلت “جنوبية” هاتفيًا مع الباحث الفلسطيني هشام دبسي، مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية، للوقوف على المسألة، والذي علّق بالقول:
“هذه الحادثة، بما تنطوي عليه من ملابسات في أكثر من اتجاه، وبما أحاطها من لغط، إلا أنها تشكل نقطة انعطاف في مسار حياة المخيمات الفلسطينية في لبنان، ومنها مخيم برج البراجنة”.
وأضاف دبسي:
“المشهد الذي دخلت به آليات ومدرعات الجيش اللبناني إلى داخل المخيم، وما صاحبه من ارتياح لأهل المخيم، وما رافق هذا الدخول العسكري من إحاطة واحتضان من مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح لإنجاز تلك المهمة، إنما يسجل بأنه مشهد تاريخي بعد أكثر من نصف قرن”.
وتابع كلامه بالقول:
“من هنا بدأت مسيرة انتقال مجتمع اللجوء الفلسطيني من حالة العسكرة والعنف والفوضى إلى المجتمع الذي يحتضن السلطة اللبنانية ويدخل في إطار قوانينها ورعايتها، لينهي مسيرة العسكرة ويشرع في مسيرة الأمان الإنساني، ويحقق مستقبلًا واعدًا لأبنائه ولجواره اللبنانيين في الضاحية الجنوبية التواقين إلى الحياة الجديدة في عهد جديد. ومن لم ير هذا المشهد، فهو لا يريد أن يرى ولا أن يسمع”.

عرقلة صناعة مستقبل جديد!
لكن المفاجأة جاءت من بيان أصدرته الفصائل الفلسطينية جاء فيه:
“نؤكد أن سلاحنا لم ولن يكون إلا سلاحًا مرتبطًا بحق العودة وبالقضية الفلسطينية العادلة، وهو باقٍ ما بقي الاحتلال جاثمًا على أرض فلسطين، ولن يُستخدم إلا في إطار مواجهة العدو الصهيوني حتى يتحقق لشعبنا حقه في العودة والحرية وإقامة دولته المستقلة على أرضه”.
وفي هذا السياق، أكد دبسي أن:
“كل ما صدر من مواقف تصب في خدمة استمرار عسكرة المخيمات هو مخالف للعهد الجديد في لبنان، ومخالف للبيان الوزاري للحكومة اللبنانية، ومخالف للبيان الرئاسي الثنائي الذي صدر في لقاء القمة بين الرئيسين محمود عباس وجوزيف عون”، معتبراً أن:
“هذا يؤكد أن مسار الانتقال نحو مجتمع مدني برعاية الدولة اللبنانية يواجه تحديات لمن يريد عرقلة صناعة مستقبل جديد لأبناء الشعب الفلسطيني في لبنان وللجوار اللبناني أيضًا”.
زيارة “غير معلنة”!
وعن زيارة الوفد الأمني “غير المعلنة”، التي قام بها السيد ياسر عباس بمرافقة مسؤولين أمنيين فلسطينيين رفيعي المستوى إلى داخل المخيم، والتي تم تسريبها للإعلام، علق دبسي بالقول:
“مصادر مطلعة تقول إن هذا الوفد استطاع أن يعقد لقاءات مع كل السلطات السياسية والتنفيذية في لبنان، وإن التفاهمات التي وصل إليها، هي تفاهمات عميقة وراسخة وقوية، وتشير إلى أن مسار عملية تسليم السلاح الفلسطيني تتجه بثبات في ظل تلك التفاهمات الممتازة”.
اقرا ايضا: بدء تنفيذ خطة تسليم السلاح الفلسطيني..الجيش يدخل مخيم برج البراجنة

