حسب عدد من المحللين السياسيين على الساحة اللبنانية، الذين واكبوا مرحلة ما بعد وقف اطلاق النار بين حزب الله واسرائيل في 27 تشرين ثاني 2024، وما جرى في الاشهر الاخيرة من محاولات اميركية لفك الارتباط العسكري نهائيا بين لبنان واسرائيل، عبر حركة الموفدين توم باراك ومورغان ارتاغوس، فان كل المبادرات التي طرحت بعنوان “حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية” اصطدمت بعقبة مركزية، وهي إصرار الحزب على الحصول على ضمانات أمنية من الولايات المتحدة وإسرائيل قبل أي بحث في التخلي عن سلاحه، مقابل رفض قاطع من الطرفين تقديم مثل هذه الضمانات.
عقدة الاعتراف بشرعية السلاح
جوهر المشكلة حسب هؤلاء المحللين، أن “حزب الله” لا يطلب فقط ضمانات لأمن لبنان، بل ضمانات لأمنه هو كتنظيم مسلح. بالنسبة إلى واشنطن وتل أبيب، هذا الطلب غير قابل للتنفيذ، لأن إعطاء أي التزام للحزب يعني “شرعنة وجوده العسكري” خارج إطار الدولة اللبنانية. وهذا يتناقض مع الرؤية الدولية التي تضع الجيش اللبناني والقوى الشرعية وحدها في موقع الضامن.
فالولايات المتحدة تصنّف الحزب منظمة إرهابية منذ التسعينيات، وإسرائيل تعتبره ذراعًا إيرانية عسكرية على حدودها الشمالية. لذلك، فإن أي “صفقة ضمانات” مع الحزب هي بمثابة اعتراف بشرعيته ودوره، وهو أمر غير وارد لا سياسيًا ولا قانونيًا.
ويلفت المحللون، ان في ذهن صانعي القرار الإسرائيلي، هناك سابقة حاضرة، وهي انسحاب عام 2000 من جنوب لبنان تمّ من دون أي اتفاق أمني أو سياسي مع الحزب، هذا الانسحاب من وجهة نظر تل ابيب، استثمره الحزب لتعزيز شرعيته الداخلية والعربية، وأطلق عليه صفة “الانتصار”. بعد ست سنوات فقط اندلعت حرب تموز، التي أظهرت للحكومة الإسرائيلية أن أي تنازل أمني للحزب سيُترجم مباشرة في ميدان القتال.
لذلك، تعتمد إسرائيل معادلة معكوسة اساسها “نزع السلاح أولاً” عبر الدولة اللبنانية، ثم بحث الضمانات ضمن إطار الشرعية الدولية. وبرأيها ان اي ضمانات قبل النزع تعني إعادة إنتاج سيناريو 2000.
الوظيفة الإقليمية للسلاح
ويرى المحللون، ان سلاح الحزب لم يعد محصورًا بالجنوب اللبناني. منذ الحرب السورية، صار جزءًا من “شبكة إيرانية إقليمية” تمتد إلى سوريا والعراق واليمن وغزة. بمعنى أن أي ضمانات تُعطى له في لبنان ستُترجم تلقائيًا كضمانات لدور إيران الإقليمي. وهذا ما ترفضه واشنطن، التي تعمل منذ سنوات على تقليص النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وليس تثبيته.
من هنا، يُنظر إلى سلاح الحزب كأداة تفاوض استراتيجية بيد طهران، وليس كملف لبناني داخلي بحت. وبالتالي، لن يكون التفاوض مع الحزب نفسه، بل مع إيران، التي قد تقايض الملف النووي أو النفوذ في العراق وسوريا بملف لبنان.
البدائل الدولية: ضمانات للدولة لا للحزب
وحسب حركة الموفدين الاميركيين، فان المبادرات الغربية الفرنسية والأميركية تحديدًا قامت على فكرة “تعزيز الدولة اللبنانية” بدل إعطاء ضمانات للحزب، دعم الجيش اللبناني بالعديد والعتاد كي ينتشر جنوبًا حتى الحدود الدولية، إبقاء قوات اليونيفل كعامل ردع ومراقبة، وتأمين مساعدات مالية للبنان لتخفيف الضغط الداخلي الذي يغذّي قوة الحزب.
هذه الضمانات تُعطى للبنان ككيان، لا لـ”حزب الله” كتنظيم. وهو فارق جوهري بين ما يطالب به الحزب وما يقبل به المجتمع الدولي.
لذلك فان موقف المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان الأخير، الذي هاجم فيه كلام الراعي، يكشف أن الثنائي الشيعي لا يزال متمسكًا برفض أي معادلة تُفضي إلى التخلي عن سلاح الحزب بلا مقابل.
ونتيجة لكل ما ورد، فان “حزب الله” لم يحصل على ضمانات أمنية من الولايات المتحدة أو إسرائيل لسبب بسيط، وهو ان الطرفان لا يعترفان بشرعية دوره المسلح أصلًا. الضمانات، في نظر المجتمع الدولي، تعطى للدولة اللبنانية فقط، عبر الجيش والقرارات الدولية، لا لحزب يشكل امتدادًا لإيران.
وهكذا يبقى الملف عالقًا، الحزب يرفض نزع سلاحه من دون ضمانات، والغرب يرفض تقديمها له مباشرة.
اقرا ايضا: بين الممكن والواقع: هل يستطيع الجيش اللبناني تنفيذ قرار حصر السلاح؟

