يمثّل قرار 5 آب الذي اتخذته الحكومة اللبنانية مؤخراً بحصرية السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش وضع خطة تطبيقية لهذا القرار، المحاولة الثالثة لإعادة لبنان إلى مسار الدول الطبيعية بعد أن خرج عنه منذ العام 1975 مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية – العربية على أرضه.
المحاولة الأولى: سقوط 17 أيار ومعه منطق الدولة
كانت المحاولة الأولى بعد الاجتياح الصهيوني عام 1982 وما خلّفه من تطورات مثيرة ومتغيرات ميدانية وسياسية كبرى، كخروج معظم قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، كذلك خروج القوات السورية من بيروت إلى البقاع، ما أتاح للجيش اللبناني يومها فرصة استعادة دوره بدعم أميركي واضح بموازاة سعي أميركا لإبرام اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل، وهو الذي سُمّي لاحقاً باتفاق 17 أيار.
يومها تداخلت عوامل الحرب الباردة بين الجبارين الأميركي والسوفياتي مع وصول قيادة جديدة في موسكو تمثلت برئيس الـ KGB يوري أندروبوف إلى السلطة، وتداخلت مع العوامل الداخلية التي تمثّلت بتعامل الحكم اللبناني يومها برئاسة أمين الجميل بمنطق الغالب والمغلوب مع بقية الأطراف الداخلية وبالإصرار على إعادة إنتاج نظام المارونية السياسية الذي طبع الحكم في الجمهورية الأولى. فكانت الانتفاضات المتتالية وسقوط اتفاق 17 أيار ومعه منطق الدولة مجدداً.
المحاولة الثانية: الطائف والوصاية السورية – الإيرانية
المحاولة الثانية كانت بعد اتفاق الطائف ودخول لبنان ما اتفق على تسميته بـ “الجمهورية الثانية”. يومها أيضاً لم تجرِ الرياح الإقليمية والدولية بما تشتهي السفن اللبنانية، فجاءت حرب الخليج الأولى وحاجة الولايات المتحدة الأميركية ودول الخليج العربية للنظام السوري الذي أمّن الغطاء العربي “الثوري” – إذا جاز التعبير – للتدخل الأميركي في المنطقة، وكان لبنان هو الثمن الذي قبضه هذا النظام الذي لُزّم تطبيق اتفاق الطائف.
فكان أن أُفرغ الاتفاق من مضمونه وضاعت فرصة ذهبية على لبنان، الذي وبدلاً من عودة منطق الدولة الطبيعية وسيادتها إليه، عاد فوقع تحت وصاية النظام السوري بشراكة سعودية استمرت حوالي عشر سنوات أنتجت إعماراً واستقراراً رغم بعض الشوائب، قبل أن تتغير المعطيات الإقليمية والدولية بفعل أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، فيغيّر النظام السوري شراكته لتستقر هذه المرة مع النظام الإيراني.
ما حوّل البلد – خاصة بعد التحرير عام 2000 – إلى مقاطعة تحكمها شراكة تجمع ما بين الفساد برعاية سورية، وفائض قوة السلاح برعاية إيرانية باسم المقاومة والدفاع عن فلسطين. وهي شراكة أعادت لبنان إلى الحرب الأهلية “الباردة” – إذا صح التعبير – وأدت في النهاية إلى الانهيار الاقتصادي فالنكبة التي نعيشها اليوم بعودة الاحتلال.
الفرصة الثالثة: هل يولد لبنان من جديد؟
اليوم وبعد تطورات المنطقة ما بعد عملية “طوفان الأقصى” وتداعياتها خاصة في لبنان وسوريا، تبدو فرصة ومحاولة جديدتين يقودهما العهد الجديد في لبنان، رئيساً وحكومة، بدعم ورعاية عربية ودولية، لإعادة انتشال لبنان من الهوة التي هو فيها وإعادته إلى سكة الدول الطبيعية.
بدايةً عبر نزع الشرعية عن أي سلاح يناقض مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، وهو القرار الذي اتخذته الحكومة في 5 آب الماضي. وهو قرار تكاد تكون أهميته – إذا ما نجحت الحكومة في تنفيذه – بمستوى إدخال لبنان إلى “الجمهورية الثالثة”. وما الرفض الهستيري الذي واجهه هذا القرار من لدن أصحاب السلاح في الداخل، والمستثمرين فيه من الخارج، والذي وصل حد التهديد بحرب “كربلائية” التي هي الاسم الكودي للحرب الأهلية، إلا الدليل القاطع على أهميته الكبرى للبنان، كما خطورته على أصحاب الأجندات والمشاريع الإقليمية التي تريد إبقاء لبنان تحت الوصاية بهدف استعادة إمبراطورية فارسية غابرة، وذلك تحت ستار معتقدات أيديولوجية دينية انتحارية هي إلى الخرافات أقرب.
هذه المعتقدات تلقي بظلالها على تفكير البعض في الطائفة الشيعية فتمسخ تاريخها المضيء بالعلم والفقه والاجتهاد، هذا البعض الذي يسعى منذ أربعة عقود، تارة بالترغيب وأخرى بالترهيب، لمصادرة هذه الطائفة والاستقواء على الطوائف الأخرى في البلد لصالح هذه المشاريع عبر الهيمنة، في محاكاة لتجارب حزبية سابقة فاشلة لبست لبوس الطوائف في “الجمهورية الأولى”، فكانت النتيجة كارثية على طوائفهم ولبنان بشكل عام في “الجمهورية الثانية” التي نعيش تداعياتها اليوم.
اليوم ونحن نعيش هذه الفرصة الجديدة، لا بد من التنويه بالتعاون البنّاء بين رئيسي الجمهورية والحكومة، كلّ من موقعه، للوصول بالبلد إلى بر الأمان، لما لهذا التعاون من آثار إيجابية على البلد، باعتبار أن البلد لا يقوم إلا بالتعاون المخلص والصادق بين الرئيسين بعيداً عن “الحرتقات” السياسية والطائفية.
وهذا ليس بالأمر الجديد في لبنان، فلا ننسى بأن الميثاق الوطني نفسه الذي ساهم بولادة “الجمهورية الأولى” قد قام على التعاون بين كل من بشارة الخوري ورياض الصلح. كذلك إعادة الإعمار وبناء الدولة بعد انطلاق “الجمهورية الثانية” – رغم الوصاية – ما كانت لتُنجز نسبياً لولا التعاون ما بين الرئيسين إلياس الهراوي ورفيق الحريري.
كما أن الحروب المتتالية والكوارث التي حلّت على البلد غالباً ما كان من أهم الأسباب لتطورها واتساعها هو الخلاف ما بين الرئيسين. فهل يكون جوزيف عون ونواف سلام نسخة عن بشارة الخوري ورياض الصلح فيدخل لبنان “الجمهورية الثالثة” بأمان وسلام، أم “ينتصر” منطق التهور والانتحار الذي يمارسه اليوم الشيخ نعيم قاسم في وجه الدولة والذي لم يعد يحظى كما في السابق بتغطية من بعض الرؤساء، فيعود لبنان إلى “الحرب الأهلية” التي إن حصلت هذه المرة، وفي ظل التوازنات الإقليمية الحالية قد يكون فيها – لا سمح الله – نهاية لبنان كبلد وكيان ورسالة كانت في يوم من الأيام قبلة الشرق والغرب، قبل أن يندفع بعض أبنائه ليشارك في تشويه هذه الرسالة وحرفها عن مقاصدها النبيلة في الحرية والتسامح والعيش المشترك؟
اقرا ايضا: وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: الذَنْب الألماني والذَنْب الشيعي!

