يشهد لبنان اليوم منعطفاً غير مسبوق منذ اتفاق الطائف، ذلك الاتفاق الذي ـ رغم إنهائه الحرب الأهلية ـ لم يطبق كما يجب، ما تسبب بإلغاء فعلي لمفهوم السيادة الكاملة. هذا بعد أن كان اتفاق القاهرة قد تسبب بتعليق العمل باتفاقية الهدنة، ما سمح تدريجياً لجعل البلاد ساحة مفتوحة لكل أشكال التدخل والاستباحة.
لقد تعب اللبنانيون من أن يكون وطنهم ورقة في أيدي الآخرين. نسمع بين الحين والآخر من يتحدث باسم لبنان وعنه من خارج أراضيه، أو يقرر عنه وكأنه تابع أو ساحة لتلك الأطراف.
ان قرار الحكومة اللبنانية الأخير بحصر السلاح بيد الدولة، ضمن خطة واضحة المعالم ومهل زمنية محددة، ليس مجرد إجراء إداري أو بند في محضر جلسة، بل هو إعلان عن دخول لبنان زمناً جديداً. زمنٌ سيكون عنوانه السيادة، وبوابته النهوض من الانهيار والفوضى، واستعادة الدور التاريخي لوطن كان قلب الحراك الثقافي والسياسي في العالم العربي.
إقرأ أيضا: البيت لم يعد بيتًا: حين يصبح المأوى حلمًا بعيدًا
ويقول بوضوح: السيادة ليست قابلة للتفاوض في أي عاصمة، ولا تُقاس بمصالح إقليمية أو دولية.
القرار بأن يكون السلاح بيد الدولة هو قرار لبناني، وحق لبناني، وواجب لبناني. لا يُفرض علينا من الخارج، ولا يُلغى بإشارة من هذا الخارج. من يريد الخير للبنان، فليدعمه في أن يقف على قدميه، ويحمي حدوده، ويعيش بسلام مع جيرانه، بدل أن يبقيه في دوامة الصراعات التي لا تنتهي.
هذه المرة، ليس المطلوب أن ننتظر من الآخرين ليقرروا مصيرنا. نحن مدعوون لأن نكون شركاء في حماية هذه الفرصة، وأن نساعد أنفسنا قبل أن نطلب العون من المجتمع الدولي أو العربي.
للمرة الأولى منذ عقود، يبرز دور الحكومة كفاعل أساسي في استعادة هيبة الدولة، وفي إخراج لبنان من حالة التسيب والانقسام إلى مرحلة بناء مؤسسات تحكمها الشرعية وحدها. إنّ هذا التحول يواكب في عمقه موجة نهوض عربية أوسع، تشهدها مجتمعات عربية عدة تسعى لتجاوز الأزمات نحو التنمية والاستقرار.
إقرأ أيضا: قرار السلاح بين الدولة وحزب الله..والجيش اللبناني ينفي رواية الإنفجار المقصود في وادي زبقين
هذه الخطوة تعني أن لبنان يمكن أن يعود إلى مكانه ومكانته الطبيعيين، ان يعود الى حضن المجموعة العربية والى سيرورة الازدهار التي تشهدها العديد من مجتمعاتها. لكنها أيضاً تضع على عاتقنا مسؤولية كبيرة. مسؤولية حماية هذه اللحظة… ودعمها… ومنع ضياعها.
يبقى الأمل أن يواكب المجتمع الدولي، ومعه الدول العربية الشقيقة، هذا المسار بخطوات عملية تدعم وقف الاعتداءات الاسرائيلية واستعادة الأمن على كافة الأراضي اللبنانية، وضبط الحدود، وتهيئة الظروف لعودة آمنة وكريمة لأبناء القرى الذين هجّرتهم اعتداءات اسرائيل والأزمات والنزاعات.
نحتاج أن يعود الهدوء إلى قُرانا ومدننا. أن يعود أهلنا آمنين إلى بيوتهم. وأن نؤمن أن لبنان… قادر على النهوض من جديد. وأن نكون شركاء لأنفسنا قبل أي أحد آخر، في تثبيت هذه الفرصة التاريخية وبناء لبنان السيادة والاستقرار.

