البيت لم يعد بيتًا: حين يصبح المأوى حلمًا بعيدًا

قانون الايجارات

في لبنان، لم يعد أحد ينام مرتاح البال. المستأجرون يعيشون على أعصابهم، يترقبون موعد استحقاق الإيجار وكأنه حكم مؤجل بالسجن أو الترحيل. مع بداية كل شهر، تتجدد المخاوف من مواجهة صاحب العقار، بينما أولئك الذين لا بيت لهم أصلًا، يخفون وجعهم بين جدران مستأجرة باردة، يعلو فيها صوت الدولار على أنين البشر.

في الأزقة الضيقة والحارات المتداخلة بين المدن، تغيرت لغة الناس. لم يعد السؤال التقليدي: “كيف حالك؟” بل أصبح: “كم تدفع إيجار بيتك؟” وكأن القيمة المادية صارت المقياس الأهم للحياة اليومية. السكن، الذي كان حقًا أساسيًا، تحوّل إلى فخ محكم يلتقط الفقراء من كل الجهات: نازحون هربوا من جحيم الحرب، ومواطنون سقطوا في فخ الانهيار الاقتصادي.

صراع يومي لا يراه أحد

في بيت قديم، تتكدس الأرواح وتضيق المساحات. أسرة من سبعة أفراد تفترش الأرض، تشارك المطبخ والحمام مع جيران غرباء. تحكي أم فادي، وهي أرملة لبنانية في الخمسينيات:

“أنا أدفع 250 دولار إيجار غرفة، ما عندي عقد، وكل شهر أخاف يجي يقلي صاحب البيت اطلعي. ما عندي مطرح روح عليه، حتى أهلي ما بيقدروا يستقبلوني. صرت أحلم ببيت صغير، حتى لو كان بس فيه شباك يفتح على الشمس.”

وعلى الضفة الأخرى من المعاناة، يروي محمود، نازح سوري من حمص، قصته بجملة قصيرة تختصر كل شيء:

“هربت من الحرب والوضع الاقتصادي حتى لاقي الأمان، بس هون الإيجارات نار. أنا ومرتي وولادي الثلاثة منام بغرفة وحدة. بنشتغل أنا وهي باليومية، وكل شي بيروح للإيجار. ما ضل شي للحياة.”

حين يصبح السكن تجارة

في غياب التخطيط العمراني والقوانين الصارمة، تحولت باحات البيوت القديمة إلى غرف صغيرة مؤجرة، اقتطعت من مساحات كانت يومًا ملعبًا للأطفال أو حديقة للعائلة. يقول محمد، صاحب عقار صغير:

“أنا مش جشع، بس حتى أنا عندي التزامات. إذا ما رفعت الإيجار ما بقدر صلح البيت ولا أدفع فواتير الكهرباء. الوضع خرب الكل، مش بس المستأجرين.”

المشكلة أن السوق بلا ضابط. كل متر يُحسب بالدولار، وكل نافذة تسعّر وكأنها قطعة نادرة. لا سلطة رقابية، ولا بلديات تتابع، ولا وزارة إسكان تضع حدودًا لهذا الجنون.

وجع أكبر من الحرب

الخبراء القانونيون يؤكدون ان هذه الأزمة هي نتيجة مباشرة للفوضى التشريعية: “غياب القوانين الناظمة للإيجارات بعد الأزمة، وترك السوق بلا أي ضوابط، أدى إلى رفع الأسعار بشكل جنوني. النتيجة كانت تهميش الفقراء والنازحين، وتحويل السكن من حق أساسي إلى سلعة نادرة.”

في الأحياء الفقيرة، الوجع لا يقف عند الإيجارات. هناك طفولة ضائعة بلا ملاعب، وشباب مكسور بلا فرص عمل، وأمهات يخفين دموعهن خلف صبر هش. ليس الأمر منافسة بين فقراء، ولا خصومة بين نازح ومواطن، بل قصة طويلة من الغياب: غياب الدولة، غياب العدالة، وغياب الرحمة.

في هذا البلد، لا ينتصر أحد. وحدها الجدران تزداد برودة، والقلوب تضيق، والمسافات بين الناس تتسع، رغم أننا جميعًا نبحث عن الشيء ذاته: بيت يحمينا من قسوة الشارع وبرودة الغربة. وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن المأوى بات حلمًا بعيد المنال، وأن عبارة “البيت لم يعد بيتًا” لم تعد مجازًا، بل حقيقة يعيشها الآلاف يوميًا.

اقرا ايضا: سلاح الحزب في لبنان: من المقاومة إلى أداة نفوذ إيراني

السابق
سلاح الحزب في لبنان: من المقاومة إلى أداة نفوذ إيراني
التالي
بالفيديو: غارات إسرائيلية على القرى الحدودية.. وسقوط مسيّرة في مارون الراس