التوقّع بوصفه فخًا تربويًا.. عندما نحمّل أولادنا أحلامنا المؤجلة

التوقع

تمر في حياتنا دون أن نلقي لها بالًا. لا ندرك وقعها أو أهميتها، ولا نتصوّر مدى تأثيرها في أعماقنا. لكنها، إن تأمّلنا فيها للحظة، نجد أنها تحمل في طياتها دلالات عميقة، قد تغيّر مسارنا كله.

في سلسلة من المقالات، سأحاول أن أجرّد بعض هذه الكلمات من شكلها السطحي، لأكشف أبعادها النفسية والاجتماعية، وتأثيرها على سلوكنا وقراراتنا.

من بين هذه الكلمات، تبرز كلمة “التوقّع كواحدة من أكثر الكلمات التي تُثقل كاهلنا من حيث لا ندري.

وفقًا لنظرية “التوقّع” في علم النفس، لفكتور فروم ان الفرد يقرر ان يتصرف بطريقة معينة لأن هناك دافع يحفزه على اختيار سلوك معين دون السلوكيات الاخرى، بسبب النتيجة التي يتوقع الحصول عليها من ذلك السلوك

في احدى المدارس الصارمة للبنات في السعودية، تدور قصة صديقتين مقربتين: فرح واميرة اللتان تتبادلان الدعم والمحبة ولا تفترقان ابدا”.

فرح هي ابنة مديرة المدرسة، بينما أميرة تنتمي إلى عائلة متواضعة. ورغم ذلك، كانت أميرة متفوّقة في كل شيء: دراسيًا، أخلاقيًا، واجتماعيًا. كانت دائمًا ما تُتوّج بـ “فتاة العام”. فرح، رغم ذكائها، لم تستطع أن تتفوّق على أميرة. لم يكن الأمر يزعجها شخصيًا، لكنه كان يؤلم والدتها التي لطالما ضغطت عليها، وعاتبتها بعبارة متكررة: “زميلتك أشطر منك… أتوقّع منك المزيد”.

إقرأ أيضا: إيران تستأنف تسليح الأذرع.. تعويض الخسائر وترميم النفوذ

وفي أحد الأيام، أُعلنت مسابقة في كتابة موضوع إنشائي. طالبت أم فرح ابنتها أن تبذل جهدًا مضاعفًا لتحصل على مرتبة الشرف. هذا الضغط أدّى إلى تصرّف مأساوي. بدافع الخوف من الخسارة أمام صديقتها، استغلّت فرح وجود أميرة في مستودع المدرسة، حيث كانت تبحث عن كتاب، فأغلقت الباب عليها لضمان غيابها عن المسابقة.

لكنّ القدر تدخّل. شبّ حريق في المدرسة، وتوفيت أميرة خنقًا داخل المستودع. تحوّلت فرح من طالبة مجتهدة إلى مجرمة بسبب فعلٍ اندفع من كلمة واحدة: “التوقّع”.

حين نُسقِط أحلامنا على أولادنا

ما الذي نتوقّعه من أولادنا؟ ولماذا؟
ومن منحنا الحق في رسم مساراتهم؟
هل هي مجرد أمنيات أم محاولات لإحياء أحلامنا المؤجلة؟

تقول إحدى الصديقات عندما سألتها عن توقّعاتها من أبنائها:
“أريدهم أن يكونوا سعداء”.
ولكن، السعادة بمنظور من؟ بمنظورهم، أم بمنظورنا؟

التوقّع”… لغةً ومعنى

في اللغة العربية، “التوقّع” هو انتظار حدوث شيء.
يقال:

  • توقّع الأمر، أي ترقّبه وانتظر حصوله.
  • أمر يفوق التوقّع.
  • نتيجة متوقعة.

لكن التوقّع ليس مجرد احتمال لغوي. بل هو موقف نفسي وسلوكي قد يُنتج قرارات مصيرية، أحيانًا كارثية.

من منظور علم النفس: نظرية التوقّع

وفقًا لنظرية “التوقّع” في علم النفس، لفكتور فروم ان الفرد يقرر ان يتصرف بطريقة معينة لأن هناك دافع يحفزه على اختيار سلوك معين دون السلوكيات الاخرى، بسبب النتيجة التي يتوقع الحصول عليها من ذلك السلوك. اما جوهر النظرية فهو الدافع لإختيار سلوك معين يحدد من خلال الرغبة في النتيجة. ولكن ثمة امر جوهري في هذه النظرية هو عملية الاستعراف كيفية تعامل الفرد مع العناصر المحفزة، ويتم ذلك قبل اتخاذ القرار.

تشير الدكتورة سلمى الحسيني، أستاذة في معهد العلوم الاجتماعية – الجامعة اللبنانية، إلى أن “جميع الأهالي يتمنّون الأفضل لأبنائهم، ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحوّل التمنّي إلى توقّع”

جوهر النظرية يكمن في ثلاث نقاط أساسية:

  1. الشخص نفسه هو من يجب أن يضع التوقع.
  2. الرغبة في النتيجة.
  3. القدرات الشخصية التي تسمح بتحقيق هذه النتيجة.

وهنا تكمن الإشكالية الكبرى:
الأهل لا يمكنهم التوقّع عن أولادهم.
فهم ببساطة قد لا يدركون تمامًا قدراتهم، ولا ميولهم، ولا أولوياتهم.

من المسؤول؟ وما الأسباب؟

تشير الدكتورة سلمى الحسيني، أستاذة في معهد العلوم الاجتماعية – الجامعة اللبنانية، إلى أن “جميع الأهالي يتمنّون الأفضل لأبنائهم، ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحوّل التمنّي إلى توقّع”.

وترى أن لذلك أسبابًا عدّة:

  • محاولة تعويض نقصٍ في تجربة الأهل.
  • الرغبة في إرضاء الذات.
  • استكمال مسيرة لم تكتمل.

ورغم أن هذه المشاعر طبيعية، إلا أنها قد تتحوّل إلى ضغوط غير مرئية على الأولاد، فتقود إما إلى الإحباط أو إلى التمرّد.

ما الحل؟

تؤكّد الدكتورة الحسيني أن الحل يبدأ من االتجانس بين التمنّي والتوقّع. وهذا يتطلب:

  • وعي كافٍ من الأهل.
  • تنسيق مع المدرسة.
  • تعاون فعّال مع الأبناء.
  • معرفة قدراتهم وميولهم.
  • الأهم: التقبّل.

وتشدّد: “التوقّع يجب أن يكون مبنيًا على أسس علمية، وليس فقط على الرغبة العاطفية، لأن التوقع العشوائي قد يُنتج خيبات لدى الأهل وتمردًا عند الأولاد”.

خلاصة:

هذا لا يعني أن لا نوجّه أبناءنا، أو لا نطمح لهم بالأفضل.
لكن التوجيه يحتاج إلى أسلوب، والتوقّع يحتاج إلى ضوابط.

قبل أن تتوقّع من ابنك أو ابنتك:

  • افهمه أولًا.
  • اكتشف ميوله.
  • قيّم قدراته.
  • اسأله عن رغباته وأولوياته.

ولا يحدث ذلك إلا من خلال تواصل فعّال، يبدأ بـ:

  • أن تكون مستمعًا جيدًا.
  • أن تحتويه وتدعمه.
  • أن لا تقارنه بغيره.
  • أن تساعده على تعزيز نقاط قوّته والعمل على نقاط ضعفه.

التحفيز، والإرشاد، والنصح مطلوبة،
لكن الأهم أن تعرف: متى؟ كيف؟ وأين؟

السابق
إيران: معلومات استخباراتية تشير إلى أن الولايات المتحدة تستعد للحرب
التالي
بيان لطيران الشرق الأوسط حول تعديل جداول رحلاتها لأسباب تشغيلية