عرسال: أرض حدودية منسية تحت رماد الإهمال

جرود عرسال

على خاصرة البقاع الشرقي، تتمدد عرسال ككلمة عالقة بين الجغرافيا والتاريخ، بين الحرب والسلم، وبين الدولة والفراغ. بلدة لبنانية بامتياز، لكنها تعيش وكأنها في منفى داخلي، على هامش الوطن، في ظل غياب مستمر لمؤسسات الدولة وخدماتها، وحضور دائم للخوف والمحاسبة الجماعية.

عرسال، التي اشتهرت في الإعلام كممر للتهريب أو كملجأ للنازحين أو كمنطقة اشتباك في فصول الحرب السورية، هي أكثر من مجرد نقطة ساخنة على الخارطة. هي بلدة تنزف منذ سنوات طويلة، تحت وطأة التهميش، وعزلة فرضتها الظروف الأمنية والسياسية. أرض حدودية لبنانية، لكنها لم تشعر يوما بكامل انتمائها لوطن غالبا ما اكتفى بمراقبتها عن بعد.

في عرسال، لا حديث عن كهرباء مستدامة، أو مستشفى حكومي مؤهل، أو مدارس تليق بأبناء المنطقة. شبابها بين البطالة، والسجن، أو الهجرة. والاتهام الجاهز دائما: “أنتم على الحدود، لا نثق بكم”. تلك النظرة الأمنية التي لم تفككها السنوات، ولا التضحيات، ولا دماء أبناء عرسال الذين سقطوا دفاعا عن أرضهم في وجه التنظيمات الإرهابية من داعش و نصرة…..و حزب الله احيانا.

لماذا تعامل عرسال كأنها منطقة مشبوهة؟

هل لأنها على تماس مباشر مع الحدود السورية؟

أم لأن في جغرافيتها وعرة لا يسهل تطويعها سياسيا؟

أم أن الدولة اختارت تركها “منسية” كي تظل ورقة تستخدم عند الحاجة، ويتم التخلي عنها عند انتهاء الصفقات؟

عرسال ليست استثناء، بل هي النموذج الصارخ لسياسة “الدولة الانتقائية” في لبنان: حضور في الوسط، وغياب على الأطراف. وهي اليوم تدفع ثمن موقعها، وثمن موقفها، وثمن صورة صنعت عنها بغير إرادتها.

لكن رغم كل ذلك، لم تستسلم. أهل عرسال بقوا. زرعوا، وعلموا أولادهم قدر المستطاع، واستقبلوا من هجر من سوريا بلا تمييز. تمسكوا بأرضهم في وجه كل ما حيك ضدهم، من الإرهاب إلى الحصار الى الحرمان.

عرسال أرض حدودية منسية، نعم.

لكنها ليست صامتة. بل تصرخ بصوت مرتفع: نحن هنا. لبنانيون. ونستحق دولة تحمينا، لا أن تتخلى عنا!

اقرا ايضا: لماذا تعارض اسرائيل دخول «جيش الشرع» الى السويداء؟

السابق
ما حقيقة اللقاء بين رجي وساعر في مؤتمر بروكسل؟
التالي
تصفية «القرض الحسن».. بين حماية المودعين ومخاطر التمويل غير المشروع