محمد بركات: المخيمات الفلسطينية في لبنان أزمة أمنية لا سياسية

في ظل انسداد أفق العودة وتصاعد القلق من التوطين، تعود قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان إلى واجهة النقاش الوطني. بين سلاح المخيمات وحق العودة، وبين الهواجس الطائفية والحسابات الإقليمية، تتشابك الأسئلة المصيرية. فهل انتهى زمن العودة؟ وهل بات التوطين أمرًا واقعًا؟ الزميل فراس حميّة يطرح أسئلة من وحي هذه الهواجس على الدكتور سعود المولى والنائب وضاح الصادق والصحافي محمد بركات وباتريك ريشا رئيس مصلحة الطلاب في حزب الكتائب، وذلك في قراءة شاملة تجمع بين الذاكرة التاريخية للقضية، ومقاربتها السياسية والاجتماعية في الوقت الراهن.

مع احتدام النقاش اللبناني الداخلي حول ملف اللاجئين الفلسطينيين، تتبدّل زوايا النظر إلى مسألة التوطين، خصوصًا في ظل التغيرات الديمغرافية الفعلية، وتقلّص أعداد الفلسطينيين في لبنان إلى حدود لم تعد تُشكّل تهديدًا في نظر بعض المراقبين. تتقدّم في المقابل أسئلة أكثر إلحاحًا تتعلّق بالمخيمات بوصفها مصدرًا للقلق الأمني أكثر من كونها عبئًا ديموغرافيًا، ما يدفع البعض إلى اقتراح مقاربات مختلفة، تتبنّى منح الحقوق المدنية بشكل جزئي ومنضبط، كمدخل لتفكيك هذه البؤر المعزولة تدريجيًا.

في هذا السياق، يرى الصحافي محمد بركات، مدير تحرير “أساس ميديا” وعضو مؤسّس في مبادرة “نحو الإنقاذ”، أن النقاش يجب أن ينتقل من رفض التوطين كمبدأ، إلى بحث حلول عملية تنزع الطابع الأمني عن المخيمات وتفتح للفلسطينيين أبواب الاندماج التدريجي دون المساس بالتوازنات السياسية اللبنانية.

-هل تعتبر أن التوطين خيار واقعي للفلسطينيين في لبنان في ظل غياب أي أفق لتحقيق شعار “حق العودة” إلى فلسطين؟ سيما وأن الحديث عن ترحيل إضافي للغزاويين من غزة!

التوطين ليس خيارًا ولا قدرًا. لكنّ المشكلة أنّ أعداد الفلسطينيين في لبنان لم تعد كبيرة كما كان الحال قبل عقود. والتقارير الرسمية وغير الرسمية تشير إلى ما يقارب 150 ألف فلسطيني فقط لا غير. جزء منهم في المخيمات، وجزء خارجه. وبالتالي فإنّ المخيمات الفلسطينية في لبنان، على كثرتها وتوزّعها الجغرافي وكثافتها السكانية، باتت تضمّ غير الفلسطينيين ربما أكثر من الفلسطينيين.

ولا يُخفى على أحد أنّ هذه المخيمات باتت مسألة أمنية بالدرجة الأولى بالنسبة إلى الرأي العام اللبناني، وليست مسألة إنسانية، ولا ترتبط إطلاقاً بحقّ العودة أو بالمعطى السياسي الفلسطيني. بسبب استخدامها كصندوق بريد سياسي وأمني حينًا، وبسبب هروب المطلوبين إليها وتزايد أعدادهم في بعضها.

إذًا، السؤال ليس حول التوطين، بل حول سحب “الأمن” من هذه المخيمات، واستبداله بحقوق مدنية معقولة، ليس من ضمنها حقّ التصويت والترشّح السياسي. والسماح للفلسطينيين بالتملّك، باعتبار أنّ منعهم من التملّك كان ضرورة بسبب عددهم الذي كان بمئات الآلاف. أما وقد صاروا أقلية، فإنّ معظمهم من الفقراء الذين ربما لا يستطيعون التملّك أصلاً.

برأيك، ما هي هواجس الشيعة والدروز والمسيحيين من توطين الفلسطينيين؟ وهل لدى السنة هواجس ومخاوف أم على العكس هم مرحبون بالفكرة بفعل المشترك المذهبي بينهم وبين الفلسطينيين؟

في هذا المعنى، فإنّ هواجس غير المسلمين تصير ثانوية فيما يتعلق بالفلسطينيين، خصوصًا بعدما قارب عدد النازحين السوريين المليونين في بعض الأحيان، وانحسر ربما إلى نصف هذا العدد مؤخّرًا. وبالتالي باتت “الأزمة” سورية أكثر منها فلسطينية.

وهؤلاء الفلسطينيون، حين يُسمح لهم بدخول سوق العمل الممنوع عليهم، وحين يصير بإمكانهم التملّك، من دون حقّ التصويت والترشّح، فإنّ المخيمات “ستذوب” تدريجيًا. وسيخرجون منها ليندمجوا بالمجتمع اللبناني، من دون أن يشكّلوا كتلة ناخية تخيف المسيحيين أو هذه الطائفة أو ذلك المذهب.

ماذا تقول للمسيحيين في لبنان عن هذه المسألة؟ وهل تعتقد أن الموقف المسيحي قابل للتعديل في ظل المتغيرات الإقليمية؟

الموقف المسيحي مرتبط بالخوف العددي. وحلّه بسيط كما قلت، بأنّ عدد الفلسطينيين بات ضئيلاً. وحين نصل إلى الحلّ النهائي، الأفضل أن تفاوض الدولة اللبنانية على فتح باب الهجرة للباقين، إذا كانت عودتهم مستحيلة إلى فلسطين. وهذا حلّ ربما ينزّل أعدادهم إلى أن يصبحوا جالية عادية. لا ننسى أنّ في لبنان نحو 200 ألف عامل و”عاملة منزل” اجانب، اذن لا مشكلة، وفي بعض الدول الخليجية أعداد الوافدين أكبر من أعداد السكان الأصليين. هذا ليس خطرًا. بل قد يكون حلاً لأزمات “العمالة”.

أكرّر المشكلة “أمنية” أوّلاً. والأمن هنا يرتبط بالسياسة بمعناها اللبناني الداخلي، والرسائل المتبادلة بين الأجهزة، وليس السياسة بمعنى القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني.

هل ترى أن حزب الله وحركة أمل عمومًا باتوا أقرب لفكرة الموافقة على توطين الفلسطينيين في لبنان؟

الثنائي الشيعي، حزب الله وحركة أمل، ليس في مصلحتهم توطين 150 ألف فلسطيني سنّي. لكنّ الحزب وإيران استخدمت كثيرين منهم في المخيمات بأعمال أمنية. سحب ذريعة الأمن من تحت أيديهم، هم والذين يعملون معهم داخل المخيمات، سيعيد الثنائي إلى “الصواب” الفلسطيني.

اقرأ أيضا: النائب وضاح الصادق: تعداد الفلسطينيين في لبنان اليوم قرابة 170 ألف لاجىء

السابق
الاحتلال يستهدف أطراف عيتا الشعب بالرشاشات الثقيلة… وتحليق مكثّف للمسيّرات
التالي
عاشوراء بين الذاكرة والواقع (2): الإصلاح السياسي والإجتماعي