في مشهد يعكس استمرار التوتر الحدودي، استهدفت غارة من طائرة مسيّرة إسرائيلية منطقة الجبل الأحمر في بلدة حاروف صباح اليوم، ما أسفر عن إصابة طفل بجروح طفيفة، وفق بيان صادر عن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة. هذه الغارة لم تكن منفصلة عن سياق عسكري متكرر، إذ تبعتها عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة الثقيلة باتجاه أحياء بلدة العديسة، واحتراق دراجة نارية عند مفرق بلدة البيسارية، رغم نفي استهداف مباشر، إضافة إلى إصابة مواطن بقنبلة صوتية ألقتها طائرة إسرائيلية في بلدة كفركلا.
يبدو أن هذه الهجمات تأتي في إطار سياسة “الضغط بالنار” التي تعتمدها إسرائيل بشكل متكرر، لكنها هذه المرة تتزامن مع حراك دبلوماسي كثيف، ما يطرح تساؤلات حول توقيت التصعيد ومغزاه، في ظل التوقف الميداني لمواجهة إسرائيل – إيران.
سلاح “حزب الله”
بموازاة التصعيد الميداني، يعود ملف سلاح “حزب الله” إلى الواجهة السياسية والإعلامية في لبنان، مع ترقّب زيارة الموفد الأميركي توم برّاك خلال أيام، حاملاً أجوبة منتظرة من المسؤولين اللبنانيين على “خريطة الطريق” التي سلّمها خلال زيارته الأولى. وتشير المعطيات إلى أن الورقة الأميركية تتناول شمولاً في المقاربة، إذ تربط بين الوضع الأمني على الحدود الجنوبية، والملف الاقتصادي – الإصلاحي الداخلي، وهو ما يعكس إدراكاً دولياً متنامياً بأن السلاح لم يعد قضية أمنية فقط، بل عنصر شلل سياسي واقتصادي داخلي.
هذا التزامن بين الضغط العسكري والتصعيد الدبلوماسي، يشير إلى محاولة أميركية – إسرائيلية لخلق مناخ تفاوضي جديد، لا يقتصر على ردع “حزب الله”، بل على مقاربة شاملة لدوره وسلاحه في لبنان، وسط رهانات على لحظة إقليمية مؤاتية بعد هدوء المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية، وسقوط الرهانات على المعادلات القديمة في سوريا والعراق واليمن.
اشتباك “المغتربين” في مجلس النواب
في ظل الضغوط السياسية المتصاعدة، انعقدت الجلسة التشريعية في مجلس النواب بغياب نواب الكتائب والقوات وبعض المستقلين. وعلى الرغم من هذا الغياب، أقرّ المجلس سلسلة من القوانين المالية والإدارية، أبرزها اتفاقية قرض مع البنك الدولي لتمويل مشروع التحول الأخضر، ومنح مالية للعسكريين، وتنظيم مهن طبية، ما يعكس محاولة الحد الأدنى من انتظام المؤسسات.
لكن خلف هذا النشاط التشريعي تقبع إشكالية أعمق، تتعلق بفعالية المؤسسات في ظل تعطل الاستحقاقات الكبرى، وعلى رأسها قانون الانتخابات، الذي أشار إليه نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب باعتباره محور خلاف وقلق جديين، لا سيما حول دور المغتربين فيه. وهذا ما يعيد النقاش إلى ما هو أعمق من تشريع منقوص: غياب التوافق السياسي حول أولويات المرحلة، وفي مقدمتها وضع سلاح “حزب الله” ضمن معادلة الدولة، وإعادة الاعتبار إلى المسار السيادي والمؤسساتي في إدارة البلاد.
واتخذ الاشتباك طابعاً حاداً لجهة المواجهة المباشرة بين رئيس مجلس النواب نبيه بري والكتل والنواب المعترضين، نتيجة امتناع رئيس المجلس عن إدراج اقتراح القانون المعجّل المكرر المتعلق بإلغاء المادة التي تلحظ حصر انتخاب المغتربين بستة مقاعد إضافية تخصّص لغير المقيمين وإطلاق الحرية أمامهم في انتخاب النواب الـ128 أسوة بالناخبين المقيمين.
ويمكن اعتبار الاشتباك السياسي والنيابي الذي شهدته الجلسة النيابية البارحة، طليعة معركة قانون الانتخاب كلاً، ولو أنها بدأت حول مسألة انتخاب المغتربين. وقد بدا واضحاً من خلال الوقائع المتشنجة التي حصلت في بداية الجلسة، والتي توجت بمغادرة نواب “القوات اللبنانية” والكتائب وحركة الاستقلال ونواب مستقلين آخرين، أن الاشتباك لن يتوقف عند ملف الانتخاب الاغترابي بل سيتمدّد لاحقاً إلى مجمل ملف قانون الانتخاب في ظل إحالة كل المشاريع المطروحة على لجنة فرعية لا تزال تنتظر مشروع الحكومة في شأن تعديل القانون النافذ.
اقرا ايضا: لبنان أمام مفترق السابع من تموز: واشنطن تضغط بالسلاح والاقتصاد… وبري يُشعل الجلسة التشريعية

