إيران بين الطموح والعزلة: دبلوماسية تبحث عن حلفاء…

خالد العزي

في السنوات الأخيرة، بدا المشهد السياسي الإيراني وكأنه يقف على خيط رفيع بين الطموح والواقع، بين الرغبة في توسيع النفوذ، والضغوط التي لا تكاد تهدأ من الداخل والخارج. وتحت هذا الضغط المتزايد، أخذت الدبلوماسية الإيرانية تسلك طرقًا ملتوية، تستجدي من خلالها دعم الحلفاء الإقليميين والدوليين، في محاولة يائسة للتموضع كقوة مؤثرة في معادلات المنطقة.

الخذلان الروسي

من موسكو إلى أنقرة، ومن الرياض إلى منابر التعاون الإسلامي، كثّفت طهران اتصالاتها، وأطلقت مبادرات ظاهرها التقارب وباطنها البحث عن مخرج. فقد شكّلت العلاقة مع روسيا ركيزة أساسية في الحسابات الإيرانية، لا سيّما في ظل الصراع المفتوح مع الولايات المتحدة، وتنامي الوجود الأمريكي في الخليج. غير أن هذا الرهان اصطدم مرارًا بحدود الدعم الروسي، الذي لم يتجاوز التصريحات الدبلوماسية المتكررة، دون أن يُترجم إلى خطوات عملية قادرة على تغيير ميزان القوى.

التجارب المتراكمة، خصوصًا في أوقات التوتر العسكري في الخليج، أثبتت أن موسكو لن تذهب بعيدًا في دعم طهران. ففي كل مرة ارتفعت فيها نبرة التصعيد، اكتفت روسيا بدعوات عامة للتهدئة، متجنّبة أي صدام مباشر مع الغرب. وهو موقف يبدو منسجمًا مع السياسة البراغماتية التي تنتهجها موسكو، والتي تسعى من خلالها إلى التوفيق بين علاقتها بطهران من جهة، ومصالحها الأمنية والاقتصادية مع إسرائيل ودول الخليج من جهة أخرى، خاصة في الساحة السورية.

وبينما خذلتها موسكو في أكثر من منعطف، لجأت إيران إلى إعادة تموضعها إقليميًا، فحاولت الانفتاح على تركيا والسعودية، في تحرك لا يخلو من التعقيد، بالنظر إلى التباينات الجذرية في المواقف والسياسات بين هذه القوى. كما عزّزت من حضورها في منظمة التعاون الإسلامي، على أمل كسب دعم سياسي أوسع. لكن، وعلى الرغم من هذا الانخراط المكثّف، لم تثمر تلك المحاولات عن تحالفات ثابتة أو دعم فعلي، إذ ظلّت العلاقات خاضعة لحسابات مصلحية متقلّبة، ولم تلبِّ طموحات طهران في تعزيز موقعها الإقليمي.

التجارب المتراكمة، خصوصًا في أوقات التوتر العسكري في الخليج، أثبتت أن موسكو لن تذهب بعيدًا في دعم طهران. ففي كل مرة ارتفعت فيها نبرة التصعيد، اكتفت روسيا بدعوات عامة للتهدئة

ازدواجية الخطاب وضعف التحالفات

المفارقة أن إيران، رغم عزلتها المتزايدة، واصلت بث خطاب يوحي بالقوة والتماسك، معتمدة على حضورها العسكري في ساحات النزاع كاليمن وسوريا والعراق. إلا أن هذا الخطاب بدا متناقضًا مع الواقع، خصوصًا في لحظات الأزمات الكبرى. وكانت الحرب الأخيرة مع إسرائيل لحظة كاشفة، إذ علّقت طهران آمالًا كبرى على شراكتها مع موسكو، لكنها فوجئت بردود فعل باهتة. فقد امتنعت روسيا عن دعم حاسم، واكتفت بمواقف دبلوماسية حذرة، حافظت من خلالها على مسافة آمنة من الصراع، حرصًا على عدم الإضرار بتوازناتها الإقليمية.

خسارة الحلفاء وتأثيرها على الموقف الإيراني

لقد كشفت الحرب الأخيرة مع إسرائيل عن ضعف واضح في شبكة التحالفات الإيرانية، إذ عانت طهران من خسائر ملموسة في دعم الحلفاء الذين كانت تراهن عليهم. فقد أدت الضغوط العسكرية والسياسية، بالإضافة إلى التردّد في تقديم دعم مباشر، إلى تراجع مواقف بعض الحلفاء الإقليميين والدوليين، الذين بدأوا يتجنبون الانخراط العلني إلى جانب إيران خوفًا من التداعيات السلبية على مصالحهم.

هذا الانكفاء المتزايد أضعف من قدرة إيران على فرض نفوذها وفرض أجندتها، كما أظهر هشاشة الاعتماد على تحالفات هشّة ومصلحية، قائمة أكثر على المصالح اللحظية منها على الثقة والاستراتيجية طويلة الأمد. في الواقع، خسرت إيران خلال هذه الحرب ليس فقط دعمًا سياسيًا أو عسكريًا، بل أيضًا عنصر الحلفاء كدعم معنوي مهم يعزّز مكانتها الإقليمية، مما دفعها إلى إعادة تقييم مواقفها ودبلوماسيتها في مواجهة واقع أشد تعقيدًا وعزلة.

التردّد الروسي، وإن لم يكن مفاجئًا، جاء ليكرّس هشاشة الموقف الإيراني. فمن دون دعم صريح في المحافل الدولية أو على الأرض، وجدت إيران نفسها في موقع دفاعي، تعتمد فيه على أدوات محدودة لا ترقى إلى مستوى التحديات. وهكذا، تلاشت صورة الحليف القوي، وحلّ مكانها واقع مرّ، يعكس أزمة بنيوية في السياسة الخارجية الإيرانية.

وكما كتبت صحيفة نيويورك تايمز، فإن ترامب بقصفه إيران، كشف عن محدودية قدرات الصين على مواجهة الأمريكيين، فإرسال بكين سفنًا لمراقبة العمليات العسكرية لا يغير شيئًا من حيث المبدأ.

إن الدبلوماسية الإيرانية، في سعيها المتواصل للحفاظ على نفوذها، تبدو اليوم أشبه بمن يركض في حلقة مفرغة. تحاول الاقتراب من شركاء، لكنّها تصطدم بحسابات متغيّرة، وتعوّل على تحالفات، لكنّها لا تحصد إلا المواقف الرمادية. وفي ظل التحوّلات المتسارعة إقليميًا ودوليًا، قد يكون من الصعب على إيران أن تستمر بهذه الاستراتيجية دون مراجعة حقيقية لمسارها، وإدراك أن القوة لا تُبنى بالخطاب، بل بتراكم الثقة، والمصداقية، والتحالفات الفعّالة.

اقرأ أيضا: حرب الأيام الـ12 بين إسرائيل وإيران: لا نصر حاسم ولا هزيمة كاملة…

السابق
ملتقى التأثير المدني في لقائه الرابع عشر من «الحوارات الصباحية».. لبنان دولة المواطنة واتّفاق الطّائف: السّياسات والخيارات
التالي
اليكم أسرار الصحف الصادرة اليوم الخميس 26 حزيران 2025