في الثامن من حزيران من كل عام، تعود جريمة اغتيال القضاة الأربعة في صيدا عام 1999 لتنبش جرحاً غائراً في ضمير الوطن وعدالة معلّقة منذ أكثر من ربع قرن. ورغم مرور 26 عاماً، لا تزال الأسئلة الكبرى بلا أجوبة واضحة: من نفّذ الجريمة؟ ما الدوافع الحقيقية وراءها؟ ولماذا لم يُحاسَب الفاعلون حتى بعد صدور أحكام بالإعدام؟ في ما يلي محاولة لتقديم قراءة متماسكة في واحدة من أبشع الجرائم التي طالت القضاء اللبناني في صميمه.
فقدأكد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في بيان اليوم بذكرى اغتيال القضاة الاربعة، أن “الجريمة النكراء التي طالت القضاة الشهداء تبقى جرحاً غائراً في ضمير الوطن، وهم قدموا حياتهم ثمناً لاستقلالية القضاء وكرامة العدالة”. أما وزير العدل عادل نصار، فقال عبر منصة “إكس”: “نجدد التزامنا بأن نكون شهوداً وحراساً للعدالة، وأن يد الغدر لن تطفئ نور الحق”.
لكن، وعلى الرغم من هذه المواقف، يبقى السؤال: هل يكفي الكلام؟ وأين الفعل؟
ما الذي حصل في 8 حزيران 1999؟
في ذلك اليوم، وأثناء انعقاد جلسات “محكمة جنايات لبنان الجنوبي” في قصر العدل في صيدا، اقتحم مسلحون مجهولون المكان في تمام الساعة 12:10 ظهراً، وأطلقوا وابلاً من الرصاص من نوافذ خلفية مطلّة على موقف السيارات، مستهدفين قوس المحكمة مباشرة. سقط القضاة الأربعة شهداء في لحظات:
– القاضي حسن عثمان (رئيس محكمة الجنايات)
– القاضي عاصم أبو ضاهر (المحامي العام الاستئنافي)
– القاضي عماد شهاب (المستشار)
– القاضي وليد هرموش (رئيس المحكمة الابتدائية)
كما أُصيب خمسة أشخاص آخرين، بينهم محامٍ وموظفون وعناصر أمنية.
محاكمة القتلة غيابيا
لم تصدر أي محاكمات فعلية في العقدين التاليين للجريمة، إلى أن أصدر المجلس العدلي في العام 2019 حكماً غيابياً مبرماً بحق خمسة متهمين من تنظيم “عصبة الأنصار الإسلامية”. وقضى الحكم بإنزال عقوبة الإعدام بحق كل من:
– أحمد عبد الكريم السعدي (أبو محجن)
– محمود حسين مصطفى (أبو عبيدة)
– إبراهيم جمال لطفي
– حسين محمد شاهين
– جهاد عويدات السواركة
في المقابل، أُعلن عن براءة الموقوف الوحيد في القضية، الفلسطيني وسام طحيبش. ورغم صدور الأحكام، لم يُلقَ القبض على أي من الفارين حتى اليوم، ولا نُفّذت العقوبات.
من هي “عصبة الأنصار”؟
“عصبة الأنصار” تنظيم إسلامي متشدد ينشط في مخيم عين الحلوة في صيدا، سبق أن وُجهت إليه اتهامات عدة في قضايا أمنية وإرهابية. وفي القرار الظني الصادر عام 2017، تم تحميل التنظيم مسؤولية تنفيذ الجريمة، استناداً إلى معطيات أمنية وشهادات وتقاطعات استخباراتية.
ما الدوافع المحتملة لارتكاب الجريمة؟
الدوافع التي أحاطت بالجريمة لا تزال عرضة للتأويل، غير أن القراءة السياسية والأمنية للحدث تطرح ثلاث فرضيات أساسية:
– ضرب هيبة القضاء وترهيبه: استهداف أربعة قضاة في قاعة المحكمة ذاتها، في وضح النهار، بدا وكأنه رسالة دامية إلى الجسم القضائي، لمنعه من مقاربة ملفات شائكة، خصوصاً تلك المرتبطة بقوى الأمر الواقع.
– صراع الأجهزة والتنظيمات: في تلك الحقبة، كانت صيدا مسرحاً لصراعات خفية بين الأجهزة الأمنية اللبنانية والنفوذ السوري من جهة، وتنظيمات مسلحة من جهة أخرى، ما يفتح الباب أمام فرضية الجريمة كتصفية حسابات سياسية أو أمنية.
– تورط جهات محمية سياسياً: تشير بعض المعطيات إلى أن القتلة تمكنوا من الدخول إلى المحكمة مسلّحين ثم الفرار من دون أي ملاحقة جدية، ما يُرجّح حصولهم على غطاء سياسي أو أمني مباشر أو غير مباشر.
لماذا لم تُنفّذ الأحكام؟ ومن يحمي القتلة؟
رغم مرور سنوات على صدور الأحكام القضائية، لا يزال القتلة طلقاء. تشير أغلب التقديرات إلى وجودهم في مخيم عين الحلوة، المحصّن أمنياً، حيث تعجز القوى الأمنية عن تنفيذ أي عمليات دون تنسيق دقيق. لكن السبب الأعمق هو غياب الإرادة السياسية.
التواطؤ أو الصمت حيال هذه الجريمة لا يمكن فصله عن سياق نفوذ سوري سابق، هيمن على القرار الأمني في لبنان لسنوات طويلة، وعطّل التحقيقات منذ بداياتها. كذلك ساهم ضعف الدولة ومؤسساتها القضائية والأمنية في استمرار الإفلات من العقاب.
هل يمكن إعادة فتح الملف؟
قانونياً، الحكم الصادر عن المجلس العدلي مبرم ولا يقبل الطعن، لكنه يبقى قابلاً للتنفيذ فور القبض على المدانين. وهذا يتطلب قراراً سياسياً جريئاً، وتفكيك البنية التي تحمي الفارين داخل المخيمات وخارجها. كذلك يحتاج إلى تنسيق أمني داخلي وإقليمي، وإلى استعادة الدولة لهيبتها داخل المناطق الخارجة عن سلطتها.
الافلات من العدالة
ما جرى في 8 حزيران 1999 هو أكثر من جريمة اغتيال. هو إعلان فجّ لإمكانية قتل القضاة في محاكمهم، أمام أعين الدولة، وبلا محاسبة. القضاة الأربعة قُتلوا برصاص الغدر، لكنهم يُقتلون مرة ثانية بصمت الدولة، وعجزها، وربما تواطئها. وبين الذكرى والكلمات الرنانة، يظل مطلب العدالة معلقاً… وصدى السؤال يتردّد: متى يُحاكَم القتلة؟ ومتى تُحترم كرامة القضاء؟
إقرأ أيضا: فرار 20 موقوفاً من سجن فصيلة غزير!

