ضُبط الحاج محمد رعد، في وضح النهار، يخرج من السراي الحكومي، وهو متلبّس بابتسامة بادية على وجهه، كأنه قد فك حداده المديد الذي تأبّط به طيلة عمره، والابتسامة النادرة هذه، قد لازمته استثناءً في لحظة دخوله لزيارة نواف سلام في مقرّه الحكومي، كما لازمته عند خروجه، وكأن وقت الزيارة وصاحبها ومضمونها قد كان كافيًا، لتغيير لوحة إعداداته، والتي تمت برمجتها منذ ظهور الرجل على الملأ في لبنان، فملأ الشاشات والاحتفالات تجهّمًا، واستخفافًا، وتففًا، وغضبًا متدفّقًا جهد كثيرًا لضبطه والسيطرة عليه، دون أن ينجح مرارًا كثيرة.
أسئلة معلّقة واستفهامات وطنية
واللبنانيون الذين لاحظوا ابتسامة الحاج محمد رعد وسمعوا الإعلان عنها كحدث مفصلي من عظمة لسانه وفي واجهة ثغره المتبسم، تذكروا وجهه ومحياه يوم خروجه على رأس كتلته النيابية من القصر الجمهوري، يوم الاستشارات النيابية التي أدت لتكليف نواف سلام بتأليف الوزارة، وقارنوا بين أقواله يوم ذاك، وما أدلى به اليوم، كما تذكروا هتافات أنصار حزب الله في الملعب الرياضي في مدينة كميل شمعون، التي تعالت فيها صرخاتهم؛ “نواف سلام صهيوني”. اللبنانيون الذين يعرفون أن القاضي نواف سلام هو العربي الوحيد الذي وضع كيان العدو في قفص الاتهام بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، اللبنانيون هؤلاء يتذكرون كل هذه اللوحات من الغضب والتهديد والتخوين ويقارنونها مع ابتسامات اليوم ويتساءلون:
هل بقي لأقوال قادة حزب الله معنى؟
هل لتصرفاتهم سياق ومنطق ومبتغى؟
هل لشعاراتهم وسردياتهم مصداقية أو جدية؟
وهل الروايات التي يسوّقونها، والاتهامات التي يقذفونها، والمواقف التي يطلقونها ويدعون أنصارهم لتبنيها، هل لكل ذلك علاقة بالحقائق والوقائع والثوابت، أم أنه كلام عبثي يُطلق كيفما اتفق؟ ويُسحب من التداول بنفس مقدار عبثية إطلاقه!
لو كنت مكان نواف سلام لسألت الوفد البشوش، هل فتحتم تحقيقًا مع الحزب وجمهور نادي النجمة، لمعرفة من حرّك الهتاف الذي يصف رئيس الحكومة بالصهيوني؟
على كل حال، الدولة فتحت تحقيقًا بذلك (الافتراض مني)، ونطلب تعاونكم لتبيان الحقيقة!
هل هو شخص أخرق لا ينتمي لأي تنظيم سياسي؟ وإذا كان كذلك، كيف تجاوب العشرات مع هتافه، وكيف ردّد مئات من الجمهور هذا الهتاف؟
وإذا كان حزبيًا، فأي مسؤول كلفه بذلك، وماذا كان الهدف من هذا الهتاف؟ ولماذا انقلب الموقف إلى عكسه؟
وفي حال لم يكن منفردًا أخرق، ولا حزبيًا مكلّفًا، يصبح السؤال: هل هو جاسوس من بين الكثير من أقرانه الذين اخترقوا الحزب وتسببوا بقتل قيادته وشبابه؟
وفي الاحتمال الأخير، يصبح الكشف عن هذا النوع من المندسين عملًا فيه مصلحة للحكومة، ولحزب الله، ولبنان.
ولمزيد من التشويق، أضاف الحاج محمد رعد: “ليس هناك ما يعيق تعاوننا مع الحكومة التي نحن جزء منها، وما يحاول البعض أن يبثه من ملوّثات وأفكار واهمة لا تعبّر عن أدائنا ولا عن وجهة نظرنا”.
الحاج يتهم اللبنانيين بسوء الفهم، ويعتبر أنه جرى تحريف مواقف حزب الله، وتحميلها من السوء ما ليس أصيلًا فيها.
لو كنت مكان نواف سلام لسألت الوفد البشوش، هل فتحتم تحقيقًا مع الحزب وجمهور نادي النجمة، لمعرفة من حرّك الهتاف الذي يصف رئيس الحكومة بالصهيوني؟
بين الابتسامة وإعادة الإعمار
حسنًا، لنمضِ قدمًا ونسأل بعض الأسئلة المفصلية:
الأولوية الوطنية اليوم هي استكمال انسحاب إسرائيل إلى وراء الخط الأزرق وصولًا إلى خط الهدنة، إسرائيل تناور وتماطل وتسوّف وتراوغ، لكن من يعطيها الذرائع والمبررات لاستمرار احتلالها هو حزب الله، الذي يعلن بلسان أمينه العام عن استعادته لقدراته وتسليحه وعزمه العسكري والقتال…
أما الأولوية الثانية، فهي إعادة الإعمار لقرى الجنوب والبقاع والضاحية ومدنهم. وأخبر سلام وفد حزب الله في مجال الإعمار: “تمكنا من تحصيل 250 مليون دولار من البنك الدولي، ومن فرنسا 75 مليون”، مؤكدًا أن “مؤتمرًا للجهات المانحة سيُعقد بعد عيد الأضحى في العاشر من الشهر، لنرى ما هو ممكن تحصيله بعد”. كما شرح بالتفصيل بأن ملف إعادة الإعمار تندرج ضمنه 3 بنود: أولها الإجراءات القانونية والتشريعية المطلوبة، وثانيها البنى التحتية، وثالثها البيوت الجاهزة.
وبعيدًا عن حوار سلام ووفد حزب الله، فإن ملف الإعمار الشامل مرتبط بتمويل يصل إلى ٨ مليارات دولار أميركي على الأقل، ولن تدفعه الدول المانحة إلا بعد أن يسلم حزب الله سلاحه للجيش اللبناني. وتأخير تسليم السلاح يعني تأخير الإعمار، واستدامة نكبة أصحاب البيوت والمدن المهدمة وتشريدهم، ومعاندة حزب الله بتسليم سلاحه شمالي الليطاني كما في جنوبه، يطيل المعاناة وقد يجعلها دائمة!
إن ملف الإعمار الشامل مرتبط بتمويل يصل إلى ٨ مليارات دولار أميركي على الأقل، ولن تدفعه الدول المانحة إلا بعد أن يسلم حزب الله سلاحه للجيش اللبناني
ضمن هذا الواقع، زار وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي بيروت، وتحدث عن فتح صفحة جديدة، وأن إيران ستتعامل مع لبنان من دولة إلى دولة!! ولعل ذلك وصل إلى مسامع الحاج محمد رعد، فتبسّم ابتسامة عريضة، وذهب إلى نواف سلام يستذكر معه أصول التضامن الحكومي وأحكامه.
اقرأ ايضا: نواف سلام في مواجهة «المنظومة»: رجل دولة في زمن «دولة المحاصصة»..

