حزب الله وتصنيع الأعداء

منى فياض

استغرب اللبنانيون الشعارات التي اطلقها محازبو حزب الله متهمين نواف سلام بالصهيونية!! ما يذكرنا بنظرية بيير كونيسا “صنع العدو”، الذي يكشف فيه آليات بناء صورة العدو، حيث يتم تضخيم تهديد خارجي، أو توليد عدو داخلي، لتبرير سياسات معينة أو لحشد الدعم. فكونيسا يكشف عن آليات بناء صورة العدو، ليس فقط لخلق إجماع داخلي ولكن أيضًا لتبرير سياسات معينة.

في السياق اللبناني، حيث تتعدد الولاءات والانقسامات، يصبح هذا المفهوم شديد الأهمية، نظراً لتاريخنا المضطرب والتوازنات الطائفية الهشة. إن لبنان بيئة خصبة لازدهار هذه الظاهرة.

وبحسب كونيسا فإن العدو ليس كياناً موجوداً مسبقاً، بل هو بناء متعمد وضرورة استراتيجية وسياسية. انها “آلية لا غنى عنها” في تحديد الأعداء لتأمين تماسك بيئته. فالعدو ليس أمراً واقعاً، بل هو “كائن سياسي” و”خيار”. وهذه العملية تتطلب أيديولوجية متماسكة، وخطاباً مقنعاً، و”صنّاع رأي”، وآليات تسهّل التصعيد نحو العنف. وغالباً ما تستغل سرديات الضحية لاكتساب الشرعية.

خطاب تحريضي

وبما أن حزب الله يمرّ بأصعب مراحله، مواجهاً تحديات جمّة، من حصار ومعارضة داخلية وعلاقات متوترة مع الحكومة، نجده يستخدم خطاباً تحريضياً ويصهين معارضيه ويتهمهم بالعمالة.

وفيما عدا العدو الاسرائيلي، الذي هُزِم أمامه الحزب، يتمرجل على الأقربون، خصومه أو “أعداءه الداخليين”. ويبدو انهم أعداءه الحقيقيين.

 وطالما ساعدته هذه الوظيفة الأداتية، ومكنته من “تجميد الديناميكيات الداخلية”، وسمحت له  “بالحفاظ على قبضته”، وتفكيك جبهة “الأعداء”.

فمن الناحية النفسية، عندما تتم شيطنة الآخر، يُجرّد من إنسانيته ليصبح قتله مقبولاً، أو حتى ضرورياً في نظر من يرتكبون العنف.

هذا وخلق العدو من منظار دوركهايم ضروري، خصوصاً في أوقات الأزمات والاضطرابات؛ فيجري البحث عن “كبش فداء” أو كيان خارجي يمكن تحميله مسؤولية الألم والقلق الجماعي. وجد في هذه المرحلة غايته في شخصية رئيس الوزراء، كما العادة، الهدف الأمثل الذي يمكن أن يوفر هدفاً للغضب والقلق، مما يصرف الانتباه عن المشاكل الهيكلية التي يعاني منها.

فهو معتاد طوال مسيرته، على تبني خطاباً تحريضياً ضد معارضيه، بحميع أطيافهم، فيتهمهم بالتطرف والإرهاب.

وسبق له ان شيطن مناطق (طرابلس)، وشخصيات عديدة، كان آخرها لقمان سليم، وأولها كان فؤاد السنيورة، والذي تراجع عن شيطنته، بدليل دعوته له في مأتم مغنية ونصرالله وغيرها من المناسبات. كما يشيطن القوات اللبنانية ثم يتحالف معها.

هذا النوع من التحريض لا يهدف فقط إلى عزل هؤلاء الأطراف، بل يخلق “عدواً داخلياً” يبرر الفشل وسياسات الهيمنة أو التضييق على الحريات. كل ذلك بينما يتجاهل أو يتغاضى عن “عملاء” أو “خونة” حقيقيين من بيئته أو حلفائه. ما يؤكد أن منطق “العدو” هو أداة سياسية أكثر منه مبدأ أخلاقي ثابت.

إنه خطاب يساهم في تعميق الانقسامات في المجتمع اللبناني. إن توجيه اللوم إلى “عدو” معين يوفر إحساساً زائفاً بالتماسك ويوحد شيعة الحزب ضد خصم مشترك، مما يصرف الانتباه عن الأسباب الجذرية للأزمة.

هذا النوع من التحريض لا يهدف فقط إلى عزل هؤلاء الأطراف، بل يخلق “عدواً داخلياً” يبرر الفشل وسياسات الهيمنة أو التضييق على الحريات

 نتائج “صناعة العدو

تعميق الانقسامات: بدلًا من توحيد اللبنانيين لمواجهة التحديات المشتركة، يساهم بتعميق الشروخ الطائفية والسياسية، مما يجعل الحلول الوسطية والتوافق الوطني أكثر صعوبة.

شلل الدولة: عندما تُشيطَن المؤسسات والشخصيات التي تمثل الدولة، فإن ذلك يؤدي إلى شلل في عمل الحكومة وتعطيل مؤسساتها، مما يفاقم الأزمات ويُفقد المواطنين الثقة في دولتهم.

عرقلة التعافي: مطالبة حزب الله الدول العربية بإعادة إعمار لبنان، في الوقت الذي تحرض فيه وسائله الإعلامية على هذه الدول، هو تناقض يعيق أي جهود للمساعدة الخارجية. كيف يمكن لدول أن تساعد بيئة يتم فيها تكريس العداء لها كثقافة؟

باختصار، يظل لبنان، بتعقيداته، مسرحاً تتجلى فيه بوضوح نظريات كونيسا ودوركهايم. إن “صناعة العدو” ليست مجرد تكتيك سياسي لحزب الله، بل هي جزء من استراتيجية أوسع تُغذّي ثقافة الخوف والقلق، وتوجه اللوم داخلياً وخارجياً، مما يعرقل بشكل مستمر أي مسعى نحو الاستقرار والتعافي.

مواجهة منطق “صناعة العدو” وغسل تأثير هذه السياسات

مواجهة منطق “صناعة العدو” وغسل تأثير هذه السياسات في لبنان هي مهمة بالغة التعقيد والصعوبة، لأنها تتطلب تغييرًا عميقًا في العقليات والثقافات السائدة، بالإضافة إلى معالجة الأسباب الجذرية للأزمات. لا توجد حلول سريعة، هناك مسارات يمكن اتباعها، سأكتفي بالعناوين نظراً لضيق المساحة:

المطلوب  تفكيك خطاب الحزب وإعادة بناء السردية الوطنية. فتكشف تناقضاته، وتُظهَّر الطبيعة المصلحية والزائلة لتهمة “العداء”، بشكل مستمر ومنهجي.

أيضاً تشريح آليات صناعته للعدو و تثقيف الجمهور حول كيف يتم بناء هذا “العدو” (التضخيم، التجريد من الإنسانية، التنميط، تحميل اللوم). حين يفهم الناس أن هذه مجرد آليات نفسية وسياسية، يصبحون أقل عرضة للتأثر بها.

مواجهة منطق “صناعة العدو” وغسل تأثير هذه السياسات في لبنان هي مهمة بالغة التعقيد والصعوبة، لأنها تتطلب تغييرًا عميقًا في العقليات والثقافات السائدة،

إعادة تعريف الهوية الوطنية الجامعة، كبديل للهويات الطائفية أو الحزبية الضيقة، مع التركيز على الهوية اللبنانية الجامعة والمبنية على المواطنة المشتركة وحقوق متساوية. يتطلب ذلك سردية وطنية جديدة تحتفي بالتنوع وتؤكد على القيم المشتركة.

كما ان تحديد “الأعداء” الحقيقيين بدلاً من شيطنة أفراد أو جماعات، يجب توجيه الانتباه نحو “الأعداء” الحقيقيين الذين يضرون بالمجتمع ككل: الفساد، الطائفية السياسية، غياب سيادة القانون، انعدام الشفافية، والعجز عن بناء دولة قوية.

 تعزيز الشفافية والمحاسبة: محاربة الفساد، أحد أبرز أسباب القلق المجتمعي الذي يفتح الباب أمام خطاب “العدو”. محاربة الفساد بشكل جاد تقلل من الحاجة المجتمعية لـ”كبش فداء”.

تطبيق سيادة القانون: يجب أن تكون الدولة هي المرجع الوحيد للقانون، وأن تطبقه على الجميع دون استثناء.

مراجعة التجاوزات التاريخية: الشجاعة لمواجهة التاريخ، بما في ذلك الحروب الأهلية والجرائم التي ارتُكبت، يمكن أن تساهم في التئام الجراح وتفكيك السرديات الانتقامية التي تغذي العداء.

 دعم الإعلام المستقل والتعليم النقدي:

الإعلام البديل والتحقيقي: تشجيع ودعم وسائل الإعلام المستقلة التي تقدم تغطية متوازنة وتكشف زيف الادعاءات التحريضية.

تعزيز الحوار والتواصل بين المكونات المختلفة: مبادرات بناء الجسور: دعم المبادرات المجتمعية التي تجمع الناس من خلفيات مختلفة للتفاعل والتعاون في مشاريع مشتركة لكسر الصور النمطية. إيجاد مساحات للحوار المفتوح بحرية.

 دور مهم للقيادات الفكرية والدينية والمدنية:

المثقفون والأكاديميون: يجب على النخب الفكرية أن تقوم بدورها في تحليل الأزمات وتقديم رؤى بديلة، وفضح آليات صناعة العدو بشكل مستمر.

القيادات الدينية: يمكن أن تلعب القيادات الدينية المستنيرة دوراً كبيراً في تعزيز قيم التسامح والعيش المشترك ونبذ خطاب الكراهية.

المجتمع المدني: منظمات المجتمع المدني لديها قدرة هائلة على تعبئة الناس وتوفير بدائل للخطابات السائدة، والضغط من أجل الإصلاحات.

 إصلاحات هيكلية وسياسية:

بناء دولة قوية وعادلة، وإصلاح النظام السياسي و معالجة المشاكل الهيكلية في النظام السياسي اللبناني لضمان تمثيل أوسع وعدالة أكبر.

انها مواجهة تتطلب معركة طويلة الأمد تبدأ من التعليم والتوعية، مروراً بتعزيز المؤسسات ودعم المجتمع المدني، وصولاً إلى الإصلاحات السياسية العميقة. الهدف هو غرس ثقافة التفكير النقدي والتسامح والتعاون، لتصبح أقوى من ثقافة الخوف والشيطنة.

اقرا ايضا: نواف سلام في مواجهة «المنظومة»: رجل دولة في زمن «دولة المحاصصة»..

السابق
إطلاق «لقاء اللبنانيين الشيعة»: مشروع سياسي مستقل لكسر الإحتكار
التالي
نواف سلام في مواجهة «المنظومة»: رجل دولة في زمن «دولة المحاصصة»..